آخر تحديث: 11 / 5 / 2026م - 1:52 م

ثمانية عشر يومًا في ضيافة السيد علي

أمين محمد الصفار *

يمر الإنسان المحظوظ خلال سنوات حياته بعدد من العظماء الذين تشاء الظروف أن يلتقيَ بهم أو يعيش في زمان عاشوا فيه، فينهل من معينهم بشكل مباشر. من باب أن الحديث عن حياة الشخصيات العظيمة أجدى من الحديث عن فقدهم، وبما أننا قريبون من موسم الحج؛ وجدت من المناسب الحديث عن شخصية عظيمة، حيث منحني الباري عز وجل فرصة الحج مع الحملة التي كان يقودها سماحة السيد علي الناصر رحمه الله. لقد كانت تجربة روحانية كاملة الدسم، قضينا ثمانية عشر يومًا «حسب عادة حملات الحج حينها» مرافقين لسماحته في تلك الرحلة، متفرغين لإقامة الصلوات الخمس معه، والاستماع لمحاضراته وتوجيهاته المختلفة طوال تلك المدة.

كانت الرحلة عبارة عن دورة تدريبية دينية وأخلاقية ومعرفية وتجربة عملية بإشراف مباشر من قامة علمية متواصلة مع الناس. في تلك الحملة، كان عدد الذين يلتحقون بها من القطيف يشكل نسبة معتبرة من مجموع عدد حجاج الحملة رغم كثرة حملات الحج في القطيف. من أهم ما كانت تمتاز به تلك الحملة هو وجود سماحة السيد بها، وكثرة العلماء الذين يزورونها من مختلف دول العالم أثناء تواجدهم في الحج، سواء في المدينة المنورة أو مكة المكرمة.

لقد وجدت الحديث عن الحملة نفسها وكوادرها وآراء حجاج الحملة هو أكثر دقة لنقل المعنى المراد من الحديث عن السيد رحمه الله. فما زلت أتذكر مشهد صاحب الحملة وهو معنا في الشاحنة التي كانت تقلنا من الميقات إلى بيت الله الحرام؛ فهو بالرغم من كبر سنه، إلا أنه كان حافظًا لدعاء كميل، وكان يتلوه علينا بكل خشوع وسكينة أثناء المسير في تلك الليلة، حيث كان يتعامل مع الحجاج كمساعد للسيد وأيضًا ككادر في الحملة وليس كصاحب لها. كذلك مواقف عدة لبقية كوادر الحملة «وهم متطوعون فيها»، خصوصًا أولئك الذين كانوا يحمون حجاج الحملة من تطفل بعض الحجاج خصوصًا في عرفات ومنى؛ فقد شاهدتهم يتحملون الأذى خدمة للحجاج بروح عالية ونفس متواضعة صادقة.

لقد كان أصدق تعبير سمعته من الحجاج الذين اعتادوا الحج لعدة مرات سابقة في حملات مختلفة، هو قول أحدهم: «إنني أشعر أنني ورغم عدد الحجج التي حججتها من قبل إلا أن هذه الحجة مع سماحة السيد أعتقد أنها هي الحجة الأكثر قبولًا من بين كل الحجج السابقة».

لقد كان للسيد رحمه الله جاذبية آسرة من اللقاء الأول، فما بالك بأن تحظى بمرافقته على مدى ثمانية عشر يومًا في رحلة إيمانية لها طابعها الخاص أيضًا. لقد سمعت عن السيد رحمه الله أول مرة عندما كان رحمه الله يقيم الصلاة في الدمام في الهواء الطلق، وهذا شيء لم يكن معتادًا. بعدها، وبتشجيع من الأصدقاء ونحن ما زلنا صغارًا، كنا نذهب للدمام يوم الجمعة لصلاة الجمعة بإمامته في الجامع الذي يقيم الصلاة فيه. وبالنسبة لي كان هذا حدثًا كبيرًا، فهي المرة الأولى التي أدخل وأصلي في مسجد بهذا الحجم الكبير؛ فالقطيف بأكملها لم يكن بها مسجدٌ بهذا الحجم في تلك الفترة. كان حدثًا وشعورًا كبيرين ما زال صداهما في عقلي وقلبي، حيث المسجد الكبير وعدد المصلين فيه يفوق استيعاب المسجد نفسه، وكذلك مشهد إحاطة المصلين بالسيد بعد الفراغ من الصلاة للسلام عليه، حيث كان من الصعب أن تجد طريقًا لذلك رغم تكرار الصلاة خلفه في أيام الجمعة.

لقد كانت آخر فرصة للقاء مع سماحته هي عندما تشرفت بالانضمام لفريق الإعداد لإقامة حفل تكريم سماحته الذي أقامه منتدى الثلاثاء بالقطيف، حيث ظهر لي حجم الحب والمشاعر الفياضة التي يكنها له أهل القطيف والأحساء والدمام؛ حيث أبدى عدد من الناس الرغبة في المشاركة في الحفل للتعبير عن مشاعرهم وامتنانهم لسماحته، بشكل جعل الفريق يصعب عليه تلبيتها لأنها سوف تطغى على المشاركات المعرفية التي تعرّف بآثار السيد والخدمات الجليلة التي قدمها للناس.