الاستغباء فن!
كنت جالسًا أنتظر صيانة سيارتي في الرياض، فمرّ شريط الذكريات أمامي ليعيدني خمس عشرة سنة إلى الوراء، تحديدًا إلى أول دورة تدريبية حضرتها في مسيرتي العملية. كانت الدورة عن برنامج «Word»، وكنت حينها موظفًا جديدًا، يملأني الحماس والرغبة في إثبات أنني ”النابغة“ الذي يفهم في كل شيء.
قبل البدء، همس في أذني أحد الزملاء بنصيحة ذهبية: ”سوي روحك ما تفهم“، في تلك اللحظة، شعرت بالإهانة! قلت في نفسي: ”أنا أتدرب وأتعب لكي أظهر تميزي، لماذا أتظاهر بالغباء؟“. قررت ضرب نصيحته عرض الحائط، ودخلت القاعة وأنا مستعد لاستعراض مهاراتي.
بدأت الدورة، وكنت ”شعلة“ من النشاط. أجيب عن كل الأسئلة، وأنفذ المهام قبل الجميع. ولكن، سرعان ما انقلب السحر على الساحر، ووجدت نفسي أدفع ضريبة باهظة لذكائي المفرط، صرت المساعد الفني لزملائي!
كلما تعثر أحدهم في تكبير خط أو تعديل مسافة، ترك المدرب وجاء يسألني: ”يا فلان، كيف سويت هذه؟“.
الدورة تنتهي الساعة 8 مساءً، والجميع يغادرون إلا أنا! أضطر إلى البقاء حتى 8:30؛ لأن الزملاء ”المغلوب على أمرهم“ لم يكملوا المهام ويحتاجون لمساعدتي.
حتى المدرب استغلني! وصل به الأمر أن يطلب مني الوقوف مكانه والشرح للزملاء لأنه ”ماله خلق“ أو رأى أنني أكفيه العناء.
في نهاية الدورة، كانت المفاجأة التي قصمت ظهر حماسي. استلمت الشهادة، وإذ بها شهادة ”اجتياز“ فقط. لا ”ممتاز“، ولا ”مبدع“، ولا حتى ”شكرًا لأنك قمت بعمل المدرب“. تساويت تمامًا مع الشخص الذي كان يسألني ”أين زر التشغيل؟“. هنا أدركت أنني كنت المتضرر الوحيد من إظهار معرفتي.
منذ ذلك اليوم، اعتمدت فلسفة جديدة. في الدورات التالية، كنت أدخل وأنا أرتدي قناع ”الاستغباء“ باحترافية:
في دورة ال Excel, يسألونني عنه فأقول: ”أول مرة أسمع بهذا الاسم، هو برنامج ولا لعبة؟“
وفي دورة ال PowerPoint, أتساءل ببراءة: ”هذا البوربوينت.. شيء يؤكل؟“
بفضل هذا التكتيك، أصبحت أنجز مهامي بهدوء، أجلس مسترخيًا، وأغادر القاعة مع أول من يخرج، دون أن يحملني أحد مسؤولية جهله.
يقولون إن الاستغباء فن، وأنا أقول إنه ”راحة بال“. لقد تعلمت أن إظهار كل ما تعرفه في بيئة العمل قد يتحول إلى ”فخ“ يجعلك تقوم بمهام الآخرين فوق مهامك.
وكما قال «شكسبير» أو كما ينسب إليه بروح فلسفتي: ”الاستغباء فن يجعلك تعيش الحياة بمتعة“ لا تكن ذكيًا جدًا فتتعب، ولا غبيًا جدًا فتستبعد، بل تعلم متى ”تستغبي“ لتستمتع برحلتك.
أما السؤال الأهم بعد كل هذه السنوات: هل ما زلت أستخدم سلاح الاستغباء؟
لا أدري…
لكن إن سألتني عن ذلك في دورة قادمة، فسأرد عليك غالبًا:
”وش يعني استغباء؟ أول مرة أسمع بالكلمة… هي من خيارات الوورد؟“












