الفكاهة والهزل في الشعر القديم «2-4»
نكمل هنا مع أستاذنا القدير يوسف ناشي أحمد الفار في حديثه عن ”الفكاهة والهزل في الشعر القديم“، ويقصد بالقديم هنا الشعر في العصور الأولى بعد الجاهلية، خصوصًا العصر العباسي؛ للظروف المساعدة على نشأة هذا اللون من الشعر في مقابل الشعر الحديث والمعاصر الذي حدد بدايته من عهد محمد علي باشا 1805 م إلى عصرنا المعاصر، فبعد هذه السلسلة سوف نبدأ بسلسلة ”الفكاهة والهزل في الشعر القديم الحديث والمعاصر“. والآن نعود لنرى ما سطره في الجزء الثاني عن الفكاهة والهزل في الشعر القديم:
1. ومما استفاضت فيه روايات الأدب الفكاهي ما جاء عن عرب البادية، ومن ذلك ما رواه الأصمعي إذ قال: كان أعرابيان متآخين بالبادية، فاستوطن أحدهما الحضر وتردد على مجلس الحجاج حتى أُعجب به وعيَّنَهُ عاملًا على أصبهان، وسمع أخوه بالبادية بذلك فشد رحاله إلى أصبهان وقصد إلى بيت العامل «أخيه»، وأقام ببابه حينًا حتى أعطي الإذن له بالدخول، فقاده الحاجب إلى مجلس العامل وقال له: سلم على الأمير، فلم يلتفت إلى قوله وإنما نظر إلى أخيه زيد قائلًا:
ولست مسلمًا ما دمت حيًا * على زيد بتسليم الأمير
فقال الأمير: لا أبالي.
فقال الأعرابي:
أتذكر إذ لحافك جلد كبشٍ * وإذ نعلاك من جلد البعير
فقال: نعم.
قال الأعرابي:
فسبحان الذي أعطاك ملكًا * وعلمك الجلوس على السرير
وعلى سبيل الظرف والفكاهة كان الأعرابي لا يحفل بالمال والكسب المادي.
2. ومن ذلك ما رواه ابن الجوزي عن إبراهيم بن عمر قال: خرج أبو نواس في الأيام العشرة قبل عيد الأضحى يريد شراء أضحية، فلما بلغ السوق إذا هو بأعرابي قد أدخل شاةً له يقدمها كبشًا فارهًا، فظن أبو نواس أن الأعرابي ظريف ذو فكاهة، وقال: لأجربنه لأرى صنيعه، فقال أبو نواس:
يا صاحب الشاة التي قد تسوقها * بكم ذا كم الكبش الذي قد تقدم
قال الأعرابي:
أبيعك إن كنت ممن يريده * ولم تكن مازحًا بعشرين درهمًا
وقال أبو نواس:
أجدت رعاك الله رد جوابنا * فأحسن إلينا إن أردت التكرما
فقال الأعرابي:
أحط من العشرين خمسًا فإنني * أراك ظريفًا فاقضنيه مسلمًا
وختم الراوي الرواية قائلًا: فدفع إليه 15 درهمًا وأخذ كبشًا يساوي 30 درهمًا.
3. شاعت في المصادر الأدبية قصة الأمير معن بن زائدة والأعرابي، وهي كثيرة الشبه بما ذكرناه عن قصة الأعرابيين المتآخيين. عُرف عن معن بن زائدة القائد العربي الشهير أنه من أوسع الناس حلمًا وصفحًا وعفوًا عن زلات الناس - وفي بعض المصادر يذكر عنه قلة الدين - فبعث إلى ابن عباس بألف دينار وكتب إليه: «بعثت إليك بألف دينار اشتريت بها دينك، فاقبض المال واكتب بالتسليم». فكتب إليه: «قد قبضت، وبعتك بذلك ديني ما خلا التوحيد لعلمي بزهدك فيه».
وهذه الرواية مشكوك في صحتها؛ للفارق الزمني الكبير بين ابن عباس «ولد 3 ه - وتوفي 68 ه»، ومعن المقتول سنة 150 ه. ولعل قرابته لابن أبي العوجاء «خاله» الذي قتله الخليفة محمد المهدي لزندقته وتحريفه للدين سببٌ دفع البعض للقول بانحرافه وقلة دينه. ولاه أبو جعفر المنصور على اليمن، بعد أن رأى شجاعته وقوته في القتال، وكان مطلوبًا من قبله لأنه كان صديقًا لآخر حكام الأمويين في العراق ابن هبيرة. تذاكر جماعة فيما بينهم أخبار معن وحلمه وسعة صدره وكرمه وبالغوا في ذلك، وكان من بينهم أعرابي أخذ على نفسه أن يغضبه فأنكروا عليه ذلك ووعدوه بمائة بعير إن أغضب معنًا وفعل ذلك. فعمد الأعرابي إلى بعير فسلخه وارتدى جلده، وجعل ظاهره باطنًا وباطنه ظاهرًا، ودخل على معن ولم يسلم فلم يعره معن انتباهه... قال له:
أتذكر إذ لحافك جلد شاةٍ * وإذ نعلاك من جلد البعير
فأجاب معن: نعم أذكر ذلك ولا أنساه.
فقال الأعرابي:
فسبحان الذي أعطاك مُلكًا * وعلّمك الجلوس على السرير
قال معن: سبحانه على كل حال وذاك بحمد الله لا بحمدك.
فقال الأعرابي:
فلستُ مُسَلّمًا إن عِشتُ دهرًا * على معنٍ بتسليم الأمير
قال: السلام سنة تأتي بها كيف شئت.
فقال:
أميرٌ يأكلُ الفولاذ سِرًّا * ويُطعم ضيفه خبز الشعير
قال: الزاد زادنا نأكل ما نشاء ونـُطعم من نشاء.
فقال الأعرابي:
سأرحلُ عن بلادٍ أنتَ فيها * ولو جارَ الزمانُ على الفقير
قال معن: إن جاورتنا فمرحبًا بك، وإن رحلت عنّا فمصحوبًا بالسلامة.
قال:
فجد لي يا ابن ناقصةٍ بشيءٍ * فإني قد عزمتُ على المسير
قال: أعطوه ألفَ درهم.
فقال:
قليلٌ ما أتيت به وإني * لأطمع منك بالمال الكثير
قال: أعطوه ألفًا آخر.
فأخذ الأعرابي يمدحه بأربعة أبيات بعد ذلك، وفي كل بيت مدح يقوله يعطيه من حواشي الأمير معن ألفًا من عندهم، فلما انتهى تقدّم الأعرابي يُقبّل رأس معن بن زائدة، وقال: ما جئتك والله إلا مُختبرًا حلمك لما اشتهر عنك، فألفيت فيك من الحلم ما لو قُسِّم على أهل الأرض لكفاهم جميعًا، فقال:
سألت الله أن يبقيك ذخرًا * فما لك في البرية من نظير
قال معن: «أعطيناه على هجونا ألفين فأعطوه على مديحنا أربعة».
4. الأصمعي ونوادره
الأصمعي عربي من باهلة اسمه عبد الملك بن قريب، نُسب إلى جده أصمع وكان قبيح المنظر.
* يقال إن أحد الأمراء وهبه جارية فخافت منه، ولكنه خفيف الروح ظريف ميال إلى حكاية ملح الأعراب وأخبارهم. قال عنه أبو نواس إنه بلبل يطرب الناس بنغماته. قال: أصاب الأعراب مجاعة، ومررت برجل منهم قاعدًا مع امرأته بقارعة الطريق وهو يقول:
يا رب إني سائلٌ كما ترى * مشتملٌ شميلتي كما ترى
وشيختي جالسةٌ كما ترى * والبطن مني جائعٌ كما ترى
فما ترى يا ربنا فيما ترى؟
* قال: ضلت لي «إبل» فخرجت في طلبها وكان البرد شديدًا، فالتجأت إلى جماعة يصلون وبقربهم شيخ ملتف بكساء وهو يرتعد من البرد وينشد:
ها يا رب إن البرد أصبح كالحساء * وأنت بحالي يا إلهي أعلم
فإن كنت يومًا في جهنم مدخلي * ففي مثل هذا اليوم طابت جهنم
فقال له الأصمعي: أما تستحي يا شيخ أن تقطع الصلاة وأنت شيخ كبير!
فأنشد يقول:
أيطمع ربي أن أصلي عاريًا * ويكسو غيري كسوة البرد والحر
فوالله لا صليت ما عشت عاريًا * عشاءً ولا وقت المغيب ولا الوتر
ولا الصبح إلا يوم شمس دافئة * وإن غيمت فالويل للظهر والعصر
قال الأصمعي: فأعجبني شعره فنزعت قميصًا وجبة كانا علي ودفعتهما إليه، فاستقبل القبلة جالسًا وجعل يقول:
إليك اعتذاري من صلاتي جالسًا * على غير طهر مومئًا نحو قبلتي
فما لي ببرد الماء يا رب حيلةٌ * ورجلاي لا تقويان على ثني ركبتي
ولكنني أستغفر الله شاتيًا * وأقضيكها يا رب في يوم صيفتي
وإن أنا لم أفعل فأنت محكم * بما شئت من صفعي ومن نتف لحيتي
5. بشار بن برد:
من أعلام الفكاهة في ذلك العصر كان بشار بن برد، فبسبب الهجاء الساخر جفاه واصل بن عطاء وحرض على قتله. كانت له مكانة وحظوة عند خلفاء بني العباس «أبي جعفر المنصور والمهدي». ينبئنا شعر بشار فضلاً عن بلاغته وفصاحته بأن بشار متمكن في العلم بأحوال العرب وعاداتهم وأيامهم وآدابهم وأخلاقهم وأحوالهم، عالمًا ومتمكنًا من اللغة حتى إنه ينظم القصائد فلا يخل بشيء مما يودعه فحول العرب في أشعارهم، كذلك كان عارفًا بعلوم الإسلام ومناهج الشريعة وعادات المولدين كونه من المولدين. كان يدعو إلى تزكية النزعة الشعوبية، ويجاهر بالزندقة والمجون، ودائمًا يذيل قصائده بالحكم والأمثال، مع سخرية لاذعة في هجائه. ولد في البصرة سنة 96 ه وتوفي ببغداد سنة 166 هـ.
ومن هجاء بشار المقذع لأبي عمرو بن العلاء، ما تناقلته كتب الأدب في الرواية الشهيرة عنه وقوله: إذا بحثت عن نسب عمرو فابحث برفق لأنه سريع الانكسار كالزجاج لضعفه، لقد أخذ الحداد يردده في كيره ليختبر حقيقة معدنه فظهر له غموضه وزيفه، وإذا جازت الدنانير في بخارى وهي لا تتعامل إلا بالدراهم لجاز نسب أبي عمرو السفلة إلى مضر.
ارفق بعمرٍو إذ حركت نسبته * فإنه عربي من قوارير
ما زال في كير حدادٍ يردده * حتى بدا عربيًا مظلم النور
إن جاز آباؤه الأنذال في مضر * جازت فلوس بخارى في الدنانير
كان لبشار بن برد حمارٌ فمات، وبعد أيام تحدث بشار أنه رأى حماره في النوم، فقلت له: ويلك لِمَ متَّ؟ قال الحمار: أنسيت أنَّكَ ركبتني يوم كذا وكذا وأنَّك مررتَ بي على باب «الأصبهاني» فرأيت أتانًا «حمارة» عند بابه فعشقتها، حتى متُّ بها كمدًا؟ ثم أخذ يقول منشدًا:
سيدي خذ بي أتانًا * عند باب الأصبهاني
تيمتني ببنان * وبدل قد شجاني
تيمتني يوم رحنا * بثناياها الحسان
وبغنج ودلال * سل جسمي وبراني
ولها خد أسيل * مثل خد الشيفراني
فلذا مت ولو عش * ت إذًا طال هواني
أساليب وأنواع الهجاء
يُذكر بأنّ للهجاء أساليب عِدّة فمنها:
• الهجاء الواقعي: الّذي يصوّر فيه الشاعر الشخص على حقيقته دون زيادة.
• الأسلوب الساخر الكاريكاتوري: الّذي يتفنن فيه الشاعر بإلصاق الصفات المثيرة للسخرية بالشخص.
• الأسلوب الصريح: أي الّذي لا يتورع فيه الشاعر عن ذكر اسم الشخص المعني والإشارة إليه بشكل مباشر.
• أسلوب الهجاء التعريضي: فيه يشير الشاعر إلى الشخص المستهدف من بعيد إشارة خفيّة ويترك الناس يفهمون إلى من يوجّه هجاءه.
وأما أنواع الهجاء:
• الهجاء الفردي: يتوجه فيه الشاعر إلى شخص معيّن.
• الهجاء الجماعي: يتوجه فيه الشاعر إلى جماعة معيّنة.
• الهجاء الخُلقي: يتناول فيه الشاعر العيوب الأخلاقية كالجبن والكذب.
• الهجاء الخَلقي: يتناول فيه الشاعر عيوب الجسد من أنف طويل أو قامة قصيرة.
الهجاء والسّخرية في شعر العصر العباسي:
عندما ننظر إلى العصر العباسي «الأول والثاني»، نجد أنه كان قمة العصور الأدبية، فقد ارتقى فيه الأدب وازدهر بصورة لم تتحقق له من قبل في عصوره السابقة. وبجانب هذا التطور الأدبي، حدثت تطورات كبيرة أخرى في مجالات الحياة المختلفة، وكان ذلك بفعل مجموعة من العوامل المتشابكة الفاعلة، حيث «كان للحضارات الأجنبية من فارسية وهندية وسريانية وغيرها تأثير كبير في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية في هذا العصر. وكان للأدب - مرآة الحياة في شتى وجوهها - نصيب كبير من التطور، فسار فيه تيار جديد شمل الأسلوب والموضوعات، وكان لرقي العقلية العربية وازدياد نموها الثقافي واحتكاكها الاجتماعي أثر أي أثر في تطور السّخرية وشيوعها، وبخاصة في ذلك المجتمع الّذي انتشر فيه الترف ورغد العيش وشاعت فيه الفكاهة والظرف، فلا غرابة أن يظهر العديد من الشعراء والكتاب الذين يتسم أدبهم بالسخرية كبشار بن برد، وأبي نواس، وحماد عجرد، وعبد الصمد بن المعذل، وأبي دلامة ومنصور الأصفهاني، والعتبي والحمدوني، وابن الرومي، وابن سكرة، وغيرهم كثيرين». ومعنى ذلك، أن الأدب العباسي قد أخذ بأسباب التطور والرّقي، وتخلى عن السذاجة ومظاهر البداوة التي كانت تشيع في أدب بعض العصور السابقة. ولم تعد السخرية في هذا العصر مجرد وسيلة للإضحاك أو الدعابة، وإنما أصبحت ظاهرة ضرورية ملحّة لخدمة المجتمع. ولقد كان هذا التطور الذي لحق فن السخرية في هذا العصر أثرًا من آثار التطور الذي لحق فن الهجاء، ف«الهجاء لشدة ارتباطه بالنفس كان أسرع الأغراض الشعرية استجابةً لهذا التطور، فقد كثر شعراؤه واتسع نطاقه، وتوطّدت موضوعاته السياسية والمذهبية والشخصية والاجتماعية، فأصاب تحولًا بيّنًا عن التهاجي القديم، وخاصة هجاء العصبيات بعد أن خفت حدة هذه العصبيات إلى حد كبير، متغلغلًا في مطاعن خلقية ونفسية». ولقد كان لروح المنافسة بين الشعراء العباسيين أثرها الواضح في فن الهجاء، حيث فتشوا عن الخفيّ من المثالب والعيوب في الأشخاص، وتناولوها وتفننوا في تصويرها وتجسيد ملامحها حتى في الخلفاء والوزراء إن دعت الحاجة إلى ذلك أو أحسّ شاعر بظلم من أحدهم، «وبذلك كان الهجاء الشخصي هو اللون العام في العصر العباسي». ويخيل إليَّ أنّ السّر في ذلك يرجع إلى تنامي الروح الفردية والاستقلال الشخصي عند أبناء ذلك العصر، خلافًا لما سبق، حيث غلبت القبلية والحزبية. وغير خافٍ أنّ الّذي يدخل معنا في السخرية من هذا الهجاء هو ما ابتعد الشاعر فيه عن ذكر العورات وعن الإقذاع والإفحاش في القول، مما يدلّ على الارتباط الوثيق بين الهجاء وبين فن السخرية. ولعل أهم ما يلاحظ على السخرية في هذا العصر أنّها مالت إلى جانب السهولة في الأسلوب، والبساطة في التعبير والصياغة، بحيث أصبحت قريبة مما يلهج به النّاس في أحاديثهم. كما نلحظ أنّها مالت إلى نظم المقطوعات القصيرة؛ طلبًا للخفة وسرعة إيلام المسخور منه ويعتبر.












