آخر تحديث: 8 / 5 / 2026م - 2:42 م

حين يتكلّم غير المتخصص في مقام الفتوى

الدكتور ماهر آل سيف *

من آفات هذا الزمن أن يختلط صوت المعرفة بصخب الادّعاء، وأن يقف بعض الناس على أبواب التخصصات كلّها باحترامٍ ظاهر، فإذا وصلوا إلى باب الدين خلعوا نعال التواضع، ودخلوا محراب الفتوى بلا علمٍ ولا ورع. يستحي أحدهم أن يناقش الطبيب في تشخيصه، أو المهندس في حسابه، أو القاضي في نظامه، ثم لا يستحي أن يعارض الفقيه والمفسّر والمحدّث، متكئًا على قراءة عابرة، أو كاتبٍ واحد جعله ميزانًا فوق الموازين، وحجّةً فوق الحجج. فتارة يشكك في الخمس، وتارة في الغناء، وتارة في الاختلاط، وتارة في الحجاب، وتارة أخرى في تكوين الأسرة والعلاقات.

والعجيب أن هذا المتدخّل يرفع شعار حرية الرأي إذا أراد أن يتكلم، ويغلق أبوابها إذا تكلم غيره؛ يطالب الناس أن يسمعوه، ولا يطيق سماع المتخصصين. فإن وافقته مرجعيةٌ علميةٌ صفق لها، وإن خالفته رماها بالجمود، وكأن الحقيقة لا تولد إلا من رحم رأيه، ولا تمشي إلا على قدم هواه.

لقد قرر القرآن قاعدة العلم والرجوع إلى أهله في قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النحل: 43]، وهي قاعدةٌ لا تهدم العقل، بل تهذّبه؛ فالعقل ليس أن تتكلم في كل شيء، بل أن تعرف أين تقف، ومتى تسأل، ومَن تسأل. والفتوى ليست خاطرةً أدبية، ولا انطباعًا سريعًا، ولا مقطعًا مبتورًا من نصّ؛ إنها فهمٌ للنصوص، وربطٌ بين القرآن والسنة، ومعرفةٌ باللغة، والتاريخ، وأسباب النزول، ومقاصد الشريعة، ومناهج الاستنباط.

وجاء في الحديث: «من أُفتي بفتيا غيرِ ثَبَتٍ فإنما إثمه على من أفتاه»، وفي ذلك تحذيرٌ شديد من تحويل الدين إلى ساحة تجارب فكرية، أو منبر تشكيك مستمر. وليس معنى هذا مصادرة السؤال، ولا إلغاء التفكير؛ فالسؤال نورٌ إذا جاء طالبًا للحقيقة، وظلمةٌ إذا جاء حاملًا معول الهدم قبل أن يسمع الجواب.

ومن بديع كلام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب : «قيمة كل امرئ ما يحسنه»؛ فمن أحسن الطب فليطبّب، ومن أحسن الهندسة فليبنِ، ومن أحسن الفقه فليُفتِ، ومن لم يحسن بابًا فليدخل إليه متعلمًا لا متعاليًا. فالدين للجميع عبادةً والتزامًا وسلوكًا، لكنه ليس للجميع فتوىً ولا استنباطًا، كما أن الصحة للجميع وليست الجراحة لكل يد، والعمران للجميع وليست الخرائط لكل قلم.

إن احترام التخصص ليس قيدًا على الحرية، بل حراسةٌ للعقل من الفوضى، وللدين من العبث، وللمجتمع من أنصاف المعارف. فمن أراد أن يناقش فليتعلم، ومن أراد أن يعترض فليتأدَّب، ومن أراد أن يهدي الناس فليبدأ بهداية نفسه إلى باب التواضع؛ فكم من جاهلٍ ظنّ أنه يوقظ العقول، وهو في الحقيقة يطفئ مصابيحها.