بسطة حسن على بساط الذكريات
”بسطة حسن“ رواية لليافعين من تأليف د. فاطمة أنور اللواتي، وطباعة دار مياسين في سلطنة عمان.
تقع أحداث الرواية في 128 صفحة من القطع الوسط، يتخللها العديد من الرسومات التي تصور بعض الأحداث أو توضح بعض الأدوات وأسماءها، وهي نابعة من التراث القطيفي.
تقسيم الرواية لتسعة عشر فصلًا يُعنون كل فصل منها بعنوان يختصر ما سوف يتناوله، هو الذي يُغلِّب أن الرواية للفتيان، والذي جعلها تتسم بالتشويق؛ فمن الممكن أن يُقرأ كل فصل على حدة، ويكاد يكون قصة قصيرة في حد ذاته. والرابط المشترك في كل الفصول هو حسن، وتداخلُها يُشكِّل الرواية.
عنوانها يحمل التجربة الثقافية للأستاذ حسن آل حمادة في القطيف، والبطل والراوي في الرواية هو حسن. وقد بنت الكاتبة شخصية حسن كشخصية نامية، وهناك عدد من الخطوط تشكلت على أساسها شخصية البطل، مما أدى إلى النمو في الشخصية حتى وصلت إلى ما هي عليه في الفصل الأخير.
أهم تلك الخطوط القراءة وحبه لجمع الكتب، وهذا الخط يبدأ من الفصلين الأول والثاني؛ حيث بداية دخول الطلاب إلى المكتبة المدرسية، وقصة «العنزات الثلاث»، وهو الكتاب الأول الذي يقرأه حسن في حياته خارجَ مناهج الدراسة، وقراره في الوقت نفسه أن تكون له مكتبة بعد أن سمع أن زكيًّا ومحمدًا، لدى كلٍّ منهما مكتبة في بيته أكبر من مكتبة المدرسة.
لقد لعبت القراءة دورًا في نمو شخصية البطل، فتغلب على الخوف كطفل يدرس في الصف السادس. والخوف رافقه من بداية الرواية؛ كوقوفه عند «حظيرة الجن»، ثم خوفه من الكلب الضال الذي عض عنزته الصغيرة فماتت من عضته، وخوفه من محسن؛ إذ كان لا يبيع بضاعته «الكنار والبيدام» إلا بعد أن يبيع محسن كل بضاعته.
كل تلك المخاوف تغلب عليها حسن بالقراءة، فالبداية كانت أن تخلص من خوفه من محسن: ”ولا أبدي أي رد فعل أمام شراسته وقسوته. لكن ما حدث معه آخر مرة فكني من قيوده وجعلني ندًّا له“ «ص 36». فبعد أن رمى بكل ما في «القفة» على الأرض ثم أخذ يدوس عليها برجليه ولم يستطع له دفعًا وهو يبكي، فما كان من محسن إلا السخرية من بكائه، فأخذ حسن حجرًا ورمى به رأس محسن، وتُصوِّر الكاتبة شعور حسن: ”صوبته نحو رأسه وأنا أستعيد في ذهني قصة العنزات الثلاث والوحش المفترس“ «ص 37».
خوفه من الكلب الضال الذي كان يخاف على عنزاته منه والذي تسبب بموت عنزة صغيرة، أوردته الكاتبة في الفصل الخامس، مُصوِّرةً الألم الذي عاشه بعد أن تسبب الكلب في موتها، وإشارة الكاتبة إلى قراره قراءة كتاب عليه صورة كلب رآه في مكتبة المدرسة «ص 32». وقد تغلب عليه بعد أن صار يجمع له باقي العظام من وجباتهم في العلبة المعدنية التي كان يخبئها خلف أكوام السعف بعد أن يغطيها بالكرتون. هذه الفكرة أتته بعد أن قرأ قصة قصيرة ومن خلالها فكر في تربية الكلب الضال، فهو يتحدث عن هذه القصة: ”وقد أمدتني بمعلومات كثيرة عن الكلاب وهذا ما حفزني أن أفكر في تربية كلب“ «ص 49». تُبيِّن الكاتبة في الفصل الثالث عشر «ولادة المعزى» نشوة حسن بانتصاره على خوفه من الكلب: ”فقد لاحظت أن ذلك الكلب التائه لم يعد ينبح من غير توقف كما كان يفعل سابقًا.. كما أنني لم أعد أخاف منه على عنزاتي الصغيرات حديثة الولادة، ابتسمت وأنا فخور بنفسي. ولما أغمضت عيني في الليل.. حلمت بأن عنزاتي الثلاث قد تغلبت على الوحش الجديد ولم يستطع أن يعتدي عليها، وبأنها قد كسبت صداقته ووده“ «ص 88».
أما حظيرة الجن فهي زاوية في طرف المدرسة، فيها عدد من النخيل والأشجار، من الواضح أن التسمية لها من بعض الأولاد الذين لهم مصلحة في تخويف الأولاد من ذلك المكان؛ وبالتالي يصفو لهم جَنْيُ ثمارها وبيعها. وكان هؤلاء الصبية يرمون كل من يقترب من هذا المكان بالحصى ويخيفونه بالأصوات، فيتراجع الأولاد خوفًا من تلك الأصوات. وحسن كسر ذلك بعد أن قرأ كتاب «الجن»، ولم يعد يخاف بعد فشل عدة مرات في دخول حظيرة الجن. ونلاحظ التدرج وأثر القراءة في الخوف، ففي البداية قبل قراءة الكتاب كان مؤمنًا بوجود الجن في ذلك المكان، وبأن الجن يسكن في الشجرة الكبيرة: ”كدت أن أقترب من الشجرة الكبيرة التي طالما ظننت أن الجن يسكنها لاكتشافها، حينما بدأت أقترب سمعت أصواتًا تناديني باسمي وهي تأمرني بالابتعاد عن الشجرة. وقفت كالمبهوت.. التفت حولي.. وما هي إلا ثوان حتى أخذت تنهال علي حصيات صغيرة، رفعت دشداشتي إلى ركبتي وركضت سريعًا“ «ص 79». هذه المحاولات الفاشلة كانت قبل قراءته كتاب الجن الذي قرأه أثناء التواء رجله ولم يخرج من البيت لمدة يومين. بعد القراءة يخطط ويذهب صباحًا للمدرسة ويصل إلى حظيرة الجن، وقد انقلبت قناعته بعد قراءة كتاب الجن، ونلاحظ التدرج في المغامرة ليصل إلى اليقين، فهو في البداية حذر: ”اتجهت سريعًا نحو حظيرة الجن كي لا يسمع صوتي الجن، إن كان هناك جن كما يدعي الأولاد“ «ص 100». فهو يشكك في أن هناك جنًّا في تلك المنطقة، وينسب القناعة للأولاد، ولم يكتف بذلك بل انتقل إلى المواجهة سريعًا وقصة العنزات الثلاث في مواجهة الوحش يتمثل بالعنزة الكبيرة وهو ينادي: ”أيها الجن أين أنتم؟ أنا هنا تعالوا.. هيا اخرجوا.“ كان هذا النداء ليشجع الصغير نفسه وهو يصل للحقيقة: لا وجود للجن من جهة، وأخرى لقطف الكنار «النبق» ومن ثم بيعها بعد خروجه من المدرسة بدلًا من شرائها من البقال دينًا. وهو ما سوف يزيد دخله لشراء الكتب. يستمر حسن في جني ثمار المعرفة وتنعكس على شخصيته، فهو لم يعد يخاف من محسن، ولا سيما بعد أن صار يجني الكنار من مكان محسن نفسه «حظيرة الجن».
”فقد رصدني محسن حينما تأخرت في المجيء وأنا أجمع الكنار، لكنه سكت ولم يقل شيئًا. واصلت أنا عملي في جمع الكنار وواصل أيضًا عمله في جمع ما يحتاج إليه. وهكذا.. بدأ بيننا اتفاق آخر صامت بدلًا من الأول الذي لم يعد ساري المفعول“ «ص 104».
وفي فصل «ضياع الفرصة» تُصوِّر الكاتبة فرحتين لحسن: فرحة صيده الأول طيرًا باعه بريال واحد بعد محاولة فاشلة، يفصل بين المحاولتين فرحته بحصوله على عشرة كتب قدمها له أبو صديقه عبد العزيز «ص 107»، ومن هنا بدأت الفكرة في تحويل بسطة الكنار واللوز إلى بسطة للكتب بعد أن صار يمتلك كتبًا تملأ رفًّا.
”يومها بدأت أفكر“ «ص 120» كانت فكرة مبادلة الكتب وبيعها.
الكاتبة جعلت من كتاب العنزات الثلاث رغم بساطته المُلهِمَ لحسن في تغلبه على مخاوفه تارة بالمواجهة، وتارة بالاكتشاف الذي رافقه طوال فصول الرواية؛ ليتطور إلى: ”لم يعد حماية العنزات الثلاث من الوحش المفترس هو ما أطمح إليه فحسب، وإنما صرت أطمح إلى حماية الكثيرين حولي من الجهل وعدم المعرفة“ «ص 125»، وهنا بيت القصيد لتقدم لنا نموذجًا عربيًّا في نشر الثقافة والقراءة «كبسطة حسن».












