آخر تحديث: 7 / 5 / 2026م - 2:55 م

شخابيط «3»

ياسين آل خليل

لماذا فقدت المعاني وزنها..؟ هل المشكلة في كثرة ما نقول، أم أنها في تلك اللامبالاة التي أصبحت تُصاحب كلماتنا، حتى كأنها لم تعد تُحمّلنا شيئًا. في وقتٍ ما، كانت الكلمة تُقال بوعيٍ، وكأنها التزام ضمني. أما اليوم، فكثير مما نقوله يمرّ بلا أثر، لا لأنه غير مهم، بل لأننا لم نعد نشعر أنه يُلزمنا بشيء. هنا، لا تفقد الكلمات حضورها وحسب، بل تفقد ثقلها فتتحول إلى كلام عابر لا قيمة له.

«شخابيط» تعود من جديد لكن بخطوة إلى الوراء، ودون أن تتوقف عند مظاهر السلوك، بل إلى تلك المساحة التي يتشكل فيها المعنى قبل أن يتحول إلى فعل. هناك، نقول ما نعرف أنه صواب، ونقتنع به، لكننا نؤجّل تفكيكه وترجمته، حين يُلامس واقعنا. هذه المسافة الصغيرة بين القناعة والتطبيق هي التي تتسع مع الوقت دون أن نشعر.

في يومٍ عادي، لو تأملنا تفاصيلنا الصغيرة.. نعدُ أنفسنا أو غيرنا بالالتزام، ثم نُبرر بعض التصرفات المهينة وكأنها أمر طبيعي. نُشيد بالإتقان، لكننا نقبل بالإنجاز السريع. نستنكر سلوكًا مشينا حين نراه من الآخرين، ثم نجد له مخرجًا حين نقع فيه. هذه الازدواجية العفوية، تتبلور نتيجة اعتيادنا التدريجي على أن تبقى القيم في مستوى القول لا الفعل.

ومع تكرار هذه التفاصيل، يتشكل نمط خفي في وعينا. فنبدأ باستخدام كلمات مثل ”لا بأس“، ”هونها وتهون“، ”الأمور طيبة“ كوسيلة لإغلاق باب المراجعة. لا لأننا لا نعرف الصواب، بل لأننا لم نعد نرى ضرورة مُلحّة للوقوف عنده. وهكذا، تتحول اللغة من أداة تعبير عن المعنى إلى وسيلة تخفيف.

في هذه المرحلة، لا تختفي القيم من حياتنا، لكنها تتغير وظيفتها. تبقى حاضرة في حديثنا، نستدعيها عند الحاجة، ونُحسن التعبير عنها، لكنها لا تعود المرجع الذي نرجع إليه حين نُقرر. يصبح الفارق بين ما نعرفه وما نفعله أوسع، لكنه لا يُقلقنا كما كان، لأننا اعتدنا التعايش معه.

في هذه العجالة، ومن خلال شخابيطي المتواضعة فإني لا أدعو إلى المثالية، ولا أُطالبُ بأن يكون الإنسان بلا خطأ، لكن أُذكّر بشيء أبسط من ذلك بكثير.. أن تبقى علاقتنا بين الكلمة والفعل حيّة. أن نشعر بشيء من التردد قبل أن نقول ما لا ننوي فعله، وبشيء من الانتباه حين نفعل ما لا يُشبه ما نقول. لأن هذا التوتر البسيط، إن بقي، فهو ما يحفظ للمعاني وزنها، ويمنعها من أن تتحول إلى مجرد كلمات تُقال، ثم تمضي دون أثرٍ يُذكر.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
مصطفى صالح الزير
6 / 5 / 2026م - 5:21 م
الله الله الله مقال جميل جداً أحسنتم أستاذ ياسين
وجزاكم الله خير الجزاء...
جملة تدرس وتكتب بماء الذهب
أن تبقى علاقتنا بين الكلمة والفعل حيّة ،
لأن المعاني لا تموت هي فقط تنتظر قلباً خفيفاً نظيفاً لطيفاً صادقاً ليُحييها.