آخر تحديث: 7 / 5 / 2026م - 2:42 م

كيف يكون حجك ملكوتياً

هبة الحبيب *

حتى يكون حجك ملكوتياً عليك أن تبحث عن الله في بيته في كل شعيرة تؤديها وكل خطوة تتبعثر ثناياك فيها كالعاشق الذي على قيد الانتظار للقاء محبوبه. يتجهز قبل ذلك الموعد بأيام ويتخيل هيبة اللقاء وينفصل جسدياً عن مُتع الحياة ويتعلق روحياً بهذه الرحلة ولا يرى في حديقة قلبه عرشاً متربعاً لسوى رب البيت لأن قدسية الله جل وعلا تجعل من القلوب النورانية الوالهة للنفحات الإلهية سكناً لها.

وإن الإقبال على الكعبة له شعورٌ مهيب لمن يعرف مقام تلك اللحظات فهو إقبالاً على رب هذا البيت وإن في النظر لها موجبات للرحمة والمغفرة فكما قال الإمام الصادق : «النظر إلى الكعبة حيالها يهدم الخطايا هدماً».

وبالحديث عن إحدى أهم الشعائر وهي الطواف فإن الطواف حول الكعبة له عدة أشكال رمزية، فهناك الطواف الجسدي الذي يتمثل مادياً بالطواف حول الكعبة ولكن الطواف المعنوي يتجسد بالطواف بصاحب الكعبة ورب البيت وهو يمثل طواف العقل والقلب والفكر والجوارح، أي طوافاً ملكوتياً لأنه يرتقي لتكامل الروح وليس للجسد فقط، فتفيض على العبد حينها الرحمات الربانية من عالم العقل لعالم الملك، ففي الواقع إن الطواف كالصلاة لهذا إن أردت أن تخوض في غمار الرحمة فعليك أن تُقل الكلام فيه.

إن أردت أن يكون سعيك ملكوتياً فتيقن بأن السعي بين الصفا والمروة هو سعياً لله ليس في أداء الشعيرة فقط ليكتمل الحج أو العمرة وإنما سعياً لكل أمور حياتنا. فالسعي يعلمنا أن نكمل أي طريق بدأناه في الحياة لأخره ولا نقطع ونلتفت لأياً كان في منتصف الطريق قبل إكتمال الحاجة سواء كانت سعياً في طلب الرزق أو العمل أو النُصرة وكلها في الأصل هي سعياً لله لا سواه حتى يتحول السعي الدنيوي لعملاً أُخروي يُختزن لك في ذخيرة العالم الأخر.

كما أن كل شعائر الحج لا تكتمل بدون عقد النية أو لفظها فلا نعتقد بأنها مختصة بهذه الفترة فقط بل هي درساً يُعلمنا جميعاً بأن النوايا ماهي إلا اختيارك لطريق حياتك، كيف كان وما سيكون عليه. فالنية محلها القلب فإن نويت بأن كل أعمالك الدنيوية ما هي إلا سعياً لله وطوافاً بقبلة العشق، حينها سيبارك الله في فؤادك لأنك جعلته منبعاً لنواياك السليمة في باقي طريقك في الحياة وفي معاملاتك مع البشر وهذا ما ورد في الروايات عن رسول الله ﷺ في قوله لـ أبا ذر: «يا أبا ذر ليكن لك في كل شيء نية حتى في النوم والأكل».

وبالوقوف على باب العرفانية، هنا فعلياً تتجلى خصوصية عرفات ولما يُعد يوم عرفة هو قلب شعائر الحج ولبها؟!

حيث إن هذا الموقف العظيم لا ينطوي على الإعتراف بالذنوب وسؤال الله المغفرة فقط، وإنما يرتقي من خلالها الحاج عندما يسأل الله في هذا الموقف الإغداق عليه بالمعرفة والمعارف والعلم والإلهام به فمن هذا المنطلق سيكون عارفاً بالشعائر بكل مكنوناتها الباطنة قبل الظاهرة، وسيكون أيضاً عاملاً في دُنياه بعلمه الذي قد يحظى به الحاج المتيقن بالله من هذا الموقف العظيم فإن شرارة العلم ورصيد المعرفة كنزاً يقود للتقوى والإيمان للعارف حقاً بالله وهذا ما ذكره عز وجل في إختلاف رتبة العالم العامل بعلمه عن غيره في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ [الزمر: 9].

كما إن الوقوف بعرفة للتضرع لله واستحضار جميع الذنوب المقترفة في حياة الإنسان ليست بدافع سؤال الله العفو والمغفرة فقط ولكن لها بعد فلسفي يطال الجانب السلوكي للفرد. وهو سؤال الحاج لنفسه هل كل ما اقترفته سابقاً سأكمل في طريقي فيه بعد انتهاء الحج؟! وهل مسيرة حياتي لها أثر طيب أم تكسوها غبار المعاصي وسوء الخلق يعلو معظم طياتها!!

وبالتالي يستدعي يوم عرفة الوقوف على أعتاب النفس ورؤية سير الحياة وسلوكياتنا برؤية مجهرية..

أما بالوقوف على عتبات الهدي ليكتمل شعائر حجك هو ليس فقط نحراً للشاة وإنما هو نحراً لشهواتك ورغباتك وميولك وإرادتك تحت التسليم المطلق لإرادة الله ورغباته مهما كانت.. فعلى سبيل المثال قد نرى في المرض ضرراً لنا في كل الأحوال ولكن يرى الله في تأخير الشفاء حكمة بالغة ونجاة من ضرر أكبر..

وحتى يكون حجك ملكوتياً فالدعاء هو عمق الحج وكنز من كنوزه فلا تجعل الدعاء يتمحور حول عالم الملك وتنصرف في طلب الأمور الدنيوية وتتجاهل الفيوضات المعنوية في الدعاء لله رجاءً لعين المطلوبية بالقرب من الله ورفع الحجب عن القلب والدلالة لطريق الهداية والاستظلال بكهف الرحمة والاستعانة على أمور الحياة بالرشد.

حجاً مبروراً وذنباً مغفوراً وهنيئاً لكم هذه الوفادة العظيمة يا حجاج بيت الله الحرام..

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
محمد المرهون
[ القطيف ]: 5 / 5 / 2026م - 9:20 م
مقال جميل جدا
أخصائي أول عظام في العلاج الفيزيائي