آخر تحديث: 4 / 5 / 2026م - 7:08 م

ميثاق القلوب

العلاقة الزوجية لها المكانة العالية فتعد من أعمق الروابط الإنسانية؛ لما لها من دور تكاملي ووظيفي للرجل والمرأة، وهذه النواة الصغيرة «الأسرة» أساس المجتمع في تنميته وتطويره وتقدمه إذا قامت على أساس الاحترام والتفاهم والثقة والتعاون، والرؤية القرآنية لها لا تقوم على أساس الارتباط الظاهري والشكلي، بل هي مبنية على تعاقد فكري وروحي وعاطفي يتشارك فيه الزوجان فيتكاملان، وقد عبر عنها القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً [الروم: 21]، ففي هذه الكلمات النيرة مختصر مفيد يبرز فلسفة الحياة الزوجية والأهداف المتوخاة من خلال هذه العلاقة المقدسة، فالمضمون العالي لسر القوة والتجذر والدوام والاستقرار لها يكمن في ذلك الرباط الوجداني الناشئ من مواقف تتجلى منها المحبة الصادقة، وهو ما يهيئ تلك العلاقة للمحافظة على تألقها عبر الزمن ومواجهة مختلف الأزمات ومحطات الخلاف، حيث القدرة على تفهم ظروف الآخر والاستماع له وتبادل وجهات النظر والثقة بقدرة كل واحد منهما على تجاوز المنعطفات الصعبة دون أن يترك ندوبًا على علاقتهما.

ما هو المقصود بذلك الرباط بين الزوجين «المودة»، والذي يضخ فيها دفق الجاذبية والاستمرارية بما يحافظ عليها دون أن تخبو أو تأفل؟

المودة هي ذلك الجانب العاطفي والمشاعر الصادقة بما يظهر الاهتمام والرغبة في القرب من الطرف الآخر؛ فكما أن للبدن حاجات ينبغي تلبيتها لضمان أداء دوره الوظيفي المناط به، كذلك هي الروح لا بد من تغذيتها بالحالة الوجدانية الدافئة؛ فالتواصل المثمر والتفاهم هو ما يمنح تلك العلاقة الاستمرارية، فهو اختيار متجدد يعكس رغبة كل طرف في إسعاد الآخر وتخفيف الضغوط الحياتية عنه.

والبعد الآخر للعلاقة الزوجية في الرؤية القرآنية هو ذلك البعد العميق الذي يتجاوز حدود العاطفة المؤقتة، فالرحمة تدخل في دائرة الوعي وتحمل المسؤولية لتلك العلاقة والمشاركة الوجدانية والفكرية في مواجهة مختلف ما يواجهانه من تحديات وظروف صعبة، فالرحمة تعني احتواء الآخر وتفهم ظروفه ومساندته في تحقيق آماله وأهدافه، فيكون سندًا له ومصدر أمان يبدد سحاب القلق والهواجس المستقبلية، وأساس ذلك التفاهم يقوم على معرفة الطبيعة البشرية وإمكانية صدور الهفوات وأوجه التقصير، وهذه الرحمة تظهر بشكل أوضح مع تقدم العمر حين تخف حدة المشاعر الأولى؛ ليحل محلها نوع من الألفة الناضجة التي تقوم على العطاء غير المشروط.

يمثل التوازن بين المودة والرحمة في العلاقة الزوجية حجر الزاوية في بناء أسرة متماسكة، حيث يجمع بين بعدين متكاملين هما العاطفة والاستمرارية، فالمودة طاقة وجدانية تدفع الزوجين نحو التقارب والتفاهم وتنشئ حالة من الأنس والانسجام، خاصة في بدايات الحياة المشتركة حيث يغلب الشوق والانجذاب، غير أن هذه الحالة قد تتعرض للتغير بفعل ضغوط الحياة وتقلباتها، فتتجلى أهمية الرحمة بوصفها البعد الأعمق والأكثر ثباتًا، فالرحمة تمثل وعيًا أخلاقيًا ومسؤولية إنسانية تتجاوز حدود العاطفة اللحظية، إذ تدفع كل طرف إلى احتواء الآخر في ضعفه والتغاضي عن زلاته ومساندته في أوقاته الصعبة.