آخر تحديث: 3 / 5 / 2026م - 3:30 م

بين سوق العمل والتخصصات اللغوية والاجتماعية: هل نلغي التخصصات أم نعيد تعريفها؟

الدكتور إحسان علي بوحليقة * صحيفة مال

انتشر مؤخرًا خبر نية جامعة الملك سعود إيقاف برنامجي اللغة العربية والدراسات الاجتماعية، فاشتعلت النقاشات بين مؤيد يرى أن الجامعات يجب أن تواكب احتياجات سوق العمل، ومعارض يخشى أن يؤدي هذا التوجه من جامعة رئيسية شاملة إلى تآكل الهوية الثقافية والمعرفية. وبين هذين الموقفين، يبدو أن النقاش يغفل حقيقة أساسية: أن سوق العمل ليس معيارًا وحيدًا لاتخاذ قرارات مصيرية في التعليم العالي، بل هو جزء من منظومة اقتصادية واجتماعية وثقافية أشمل.

سوق العمل، بطبيعته، ليس مجرد علاقة بين عرض وطلب، بل هو تفاعل معقّد بين مهارات بشرية وتفضيلات فردية وسياسات عامة، فالعمل ليس سلعة تُخزن وتباع بنفس وسائل بيع السلع والخدمات سواه، بل هو نشاط إنساني يرتبط بالهوية والمهارات والقيم، وأي اختلال بين العرض والطلب يؤدي إلى بطالة هيكلية ذات آثار سلبية اجتماعيًا واقتصاديًا، أو نقص في المهارات — على تفاوت مستوياتها — مما يؤثر في الإنتاجية والاتجاه إلى استقدام مهارات من خارج دوحة الاقتصاد المحلي. وهكذا، فلا يستقيم النظر إلى طرفَي السوق بعدسة واحدة، فلكل جانب - العرض والطلب - معايير ومنطلقات، والتواؤم بينهما يصنع توازنًا لسوق هي الأهم والأكثر حساسية لأي اقتصاد.

في السعودية، شهد جانب العرض تطورًا لافتًا بفضل إصلاحات التعليم والتدريب ضمن رؤية 2030، فارتفعت مشاركة السعوديين في سوق العمل إلى نحو 49%، وحققت المرأة السعودية قفزة تاريخية تجاوزت 36%، أما التحدي الحقيقي فبقي ليس فقط في مدى مواءمة مخرجات التعليم لاحتياجات السوق، بل في فجوة ربطها بالمهارات العملية، فهي لب المشكلة. وهي لب المشكلة لاعتبارات بعيدة المدى تتمثل في أهمية تنمية المخزون من رأس المال البشري عبر تراكم الخبرة والمعرفة والإبداع محليًا، فذلك أحد الأبعاد الرئيسة التي تعطي الاقتصاد - أي اقتصاد سحنته وتحسم تأثير ووزن قدرته التنافسية. فهكذا، فليس منطقياً تحميل التخصصات اللغوية والاجتماعية الوزر كله.

أما جانب الطلب لسوق العمل، فقد نما مع توسع القطاع الخاص والمشاريع الكبرى، وارتفع عدد المشتغلين إلى نحو 19 مليونًا في 2025 مقارنة بـ 13.9 مليون في 2016. كما انخفضت بطالة السعوديين إلى 7.2%، وهو مستوى غير مسبوق. وتؤكد هذه المؤشرات أن الاقتصاد قادر على خلق وظائف، لكن السؤال: أي وظائف؟ ولمن؟.

تكمن نقاط قوة سوق العمل السعودي في جملة أمور على صلة بالإصلاحات الهيكلية الحديثة والاستثمار في رأس المال البشري، بينما تكمن نقاط الضعف في فجوة المهارات وبطالة بعض الشباب. أما الفرص الكبيرة فتكمن في التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي والتنويع الاقتصادي، في حين تشكل المنافسة الإقليمية والتقلبات العالمية أبرز التحديات، ما يبرر القول إن الحل ليس في إلغاء التخصصات، بل في إعادة تعريفها وربطها بالاقتصاد الجديد والمتجدد والمتقلب فيما يحتاجه من مهارات وخبرات، فنحن أمام تحول في تاريخ رأس المال البشري عبر التاريخ، متمثلاً في التكامل الذهني بين الإنسان والآلة وليس فقط العضلي.

وإذا تفحصنا التجارب الدولية في سياق التحول في تنمية رأس المال البشري، نجدها تقدم دروسًا ذات دلالة. ففي ألمانيا وكندا، لم تُلغَ التخصصات الإنسانية، بل دُمجت ضمن منظومات تدريب مهني مزدوج، ما سمح لخريجيها بالانتقال إلى وظائف في التحليل الرقمي والاتصال والذكاء الاصطناعي، وتؤيد دراسات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية هذا التوجه، حيث أشارت بعض دراساتها إلى أن خريجي هذه التخصصات يحققون معدلات توظيف مرتفعة عندما تُربط برامج دراساتهم بمهارات عملية. أما دول مجموعة السبع فقد ذهبت أبعد من ذلك، إذ دمجت المهارات الرقمية والذكاء الاصطناعي في برامج التعليم المستمر، مما سمح لخريجي العلوم الإنسانية بالتحول إلى وظائف جديدة ذات قيمة مضافة تماهيًا مع التحول الرقمي والذكائي المعاش، والذي يشتد بوتيرة عالية مع مرور الوقت. هذا النهج يثبت أن المشكلة ليست في التخصصات، بل في طريقة تدريسها وربطها بسوق العمل.

أعود إلى نقطة البداية، وهي أن الإلغاء لا يؤدي إلى الحل الأمثل؛ انطلاقًا من أن الحفاظ على التخصصات اللغوية والاجتماعية ليس ترفًا ثقافيًا ميتافيزيقيًا، بل ضرورة وطنية لاعتبارات عملية وضرورات أخذت تتبلور، وأهمها جودة التعليم في أي مجال هي المكسب الأول لأي خريج، فضلًا عن أن هذه التخصصات تشكل جزءًا من الهوية، وتدعم مجالات الإدارة العامة والإعلام والسياسات العامة والدبلوماسية والجوانب الثقافية في عالم أخذ يرتكز على بناء المحتوى الإبداعي المؤثر في كل المجالات والاتجاهات. ومن ناحية أخرى، فإن الحفاظ على هذه التخصصات اللغوية والثقافية لا يعني تجميدها، بل يتطلب تطويرها وربطها بالمهارات الرقمية والاقتصادية، عبر برامج تعليمية مدمجة وشراكات مع القطاع الخاص، بما يجعل الخريج أكثر قدرة على المنافسة في اقتصاد عالمي سريع التحول.

كاتب ومستشار اقتصادي، رئيس مركز جواثا الاستشاري لتطوير الأعمال، عضو سابق في مجلس الشورى