آخر تحديث: 3 / 5 / 2026م - 3:30 م

الرجل الثاني... بين الوهم والضرورة

ثمة من يعتقد خطأً أن صناعة ”الرجل الثاني“ أو تمكين بديلٍ قويٍ إلى جانبه، ما هي إلا بداية النهاية لمكانته وسلطته، لا لأنه؛ يشكل خطرًا حقيقيًّا يهدده أو يزاحمه، بل لأنه يكشف حدودًا طالما توهّم أنها بلا سقف، أو قيد.

غير أن الواقع والتجارب المتراكمة للحياة تكشفان عن حقيقة مغايرة وهي: أن قيمة الإنسان أو الفكرة أو الموقع لا تُقاس بمن يحتكرها، بل بمدى قدرتها على إنتاج من يكملها ويحملها من بعده، فكل ما يُبنى على الفرد الواحد يظل عرضة للزوال بزواله، مهما بدأ قويًّا أو متماسكًا، أما ما يُبنى على الامتداد القيادي وصناعة البدائل والكفاءات، يتحول إلى كيانٍ حيّ قادر على الاستمرار والتجدد، ولا يتوقف عند غياب أحد أو حضوره.

وفي هذا السياق، يحضرني نموذج إداري أورده الدكتور عبد الله المغلوث في كتابه «الإدارة الأنيقة»، حين نقل تجربة مسؤولٍ رفيع المستوى، خلال إحدى الرحلات الخارجية معه، إذ سأله عن سرّ صعوده الإداري وتدرجه في ذلك المنصب وسط منظومة مزدحمة بالكفاءات والخبرات، فجاءت إجابته غير المتوقعة في عمقها وبساطتها في آن واحد: أنه لم يعتمد فقط على كفاءته الشخصية، أو على شبكة علاقاته الإدارية، بل كان يحرص دومًا على إعداد من يفوقه كفاءةً لقيادة الإدارة التي يتولاها، ويجتهد في تقديمه وإبرازه أمام قياداته العليا.

وهنا تتجلى المفارقة الحقيقية في أبهى صورها: بين من يفهم الإدارة أو القيادة أو الرئاسة باعتبارها ”مشروع بناء ممتد“ ومن يراها ”معركة بقاء“ فالأول يوسّع دوائر الأثر، ويحتفي بنجاح من حوله، بينما الثاني ينكمش خشية المقارنة، ويتوجّس من بروز غيره، فيُبقي الطاقات رهينة التبعية أو أسيرة الجمود، والأدهى والأمَرّ من ذلك، أن بعضهم يستمتع بالتصفيق والتهليل لنفسه، لكنه يضيق ذرعًا بكل نجمٍ يسطع سواه، وهي حالة يمكن وصفها بـ ”العقم“ أو ”الأنانية“ حيث يتوقف الإنتاج عند حدود الذات، وتُختزل المؤسسة في شخصٍ واحدٍ بدل أن تكون كيانًا حيًّا ممتدًّا.

في المقابل، هناك من يرى في الآخرين امتدادًا وشريكًا له في الأثر وصناعة المستقبل، فيكتشف طاقاتهم ويصقلها ويمنحها الثقة والمساحة، وكأنه يقول لهم بحب ”أنا لا أبحث عن تابعين... بل عن شركاء يكملون الطريق“، وهذا ما رأيته وعايشته، ولمسته في نموذج إنساني ملهم، يتمثل في سماحة الشيخ الأستاذ حسن الصفار حفظه الله تعالى ورعاه.

إذ كان منذ بدايات محاولتي في الكتابة مشجعًا وداعمًا، يوجّه، ويحفز، ويهتم بالتفاصيل، بل ويقرأ ما أكتب ويتابع ويسأل عنه، وحتى حينما قررت طباعة كتابي الجديد ”أفكار في الإدارة“ الذي لا يزال قيد الفسح الإعلامي، قام بتقديمه تقديمًا لافتًا لا أستحقه، وأبدى عليه بعض الملاحظات التوجيهية التي تعكس بحق حرصه ووعيه العميق بأهمية بناء الآخرين وتمكينهم.

فالقائد الديني أو الإداري، أو المثقف الواعي أو صانع الأثر المؤسسي لا يُقاس بما يحتفظ به لنفسه من مهارات أو قدرات أو إنجازات، بل بما يمنحه للآخرين من فرص للنمو والتعلم والتمكين، وبقدرته على صناعة نماذج أكثر كفاءة وإبداعًا، حتى وإن تفوقوا عليه في بعض المسارات.

إن صناعة ”الرجل الثاني“ أو الصف الثاني، أو البديل الكفء، ليست تنازلًا ولا ضعفًا كما يتوهم البعض، بل هي أعلى درجات الثقة بالنفس، وأعمق أشكال الفهم لطبيعة القيادة واستدامة الأثر، فالمؤسسات أو المنظمات لا تُبنى بالأفراد وحدهم، بل بمنظومة متكاملة قادرة على الاستمرار والتجدد، وفق سنن الحياة التي لا تعترف بالفراغ ولا ترحم من يتوقف عند ذاته.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: ماذا لو توقفنا عن صناعة خلفاء يواصلون الطريق من بعدنا؟ وهل الخطر يكمن في وجود البديل أم في غيابه؟ وكيف نبني امتدادًا لما نصنعه بدل أن ينتهي بنا؟

قوتك فيمن يقفون معك لا خلفك

ليس افتراضًا نظريًّا، بل حقيقة أثبتتها سنن التاريخ وتجارب الإدارة: ما إن يتوقف القائد عن صناعة الامتداد يبدأ مشروعه بالتآكل من الداخل، حتى ولو بدأ في ظاهره متماسكًا أو قويًّا، لأن؛ ما بُني على شخصٍ واحد يشيخ بشيخوخته، ويضعف بضعفه، وينتهي بانتهائه، وهذا ما أشار إليه بوضوح عالم الإدارة بيتر دراكر في قوله ”أعظم اختبار للقائد ليس ما ينجزه بنفسه، بل ما يتركه بعده“ كما تؤكد دراسات القيادة الحديثة خصوصًا في مدارس ”القيادة التحويلية“ أن المؤسسات التي تعتمد على فرد محوري واحد تكون أكثر عرضة للانهيار بنسبة كبيرة عند غيابه، مقارنة بتلك التي تمتلك صفًّا ثانيًا مؤهلًا.

لذلك، فإن التوقف عن صناعة ”الرجل الثاني“ أو الصف الثاني، أو البديل الكفء ليس حيادًا، بل قرارٌ خفيّ بالانتهاء، وهو أشبه بزرع بذرة دون أن تسمح لها بأن تُثمر أو أن تمتد جذورها في الأرض، فتبقى معلّقة بعمرٍ واحد لا يتكرر، فالقوة ليست في أن تقف في القمة وحدك، بل في أن تصنع قممًا من حولك، لأن؛ من يقفون ”معك“ يوسّعون أثرك، أما من يقفون ”خلفك“ فهم من ينتظرون غيابك ليبدأ الفراغ، وكما قال الرسول الأعظم ﷺ ”خيرُ الناس أنفعهم للناس“.

كلما رفعت غيرك... ارتفعت دون أن تشعر

ومن أبلغ ما يُجسد هذا المعنى ما قرأته عن ”قصة أندرو كارنيجي“ أحد أعمدة الصناعة في القرن التاسع عشر والذي لم يُعرف فقط بثروته الهائلة، بل بطريقة بنائه للرجال من حوله.

فقد كان يُقال إن سرّ نجاحه لم يكن في عبقريته الفردية بقدر ما كان في قدرته على اكتشاف الكفاءات وتمكينها، حيث كان يختار أشخاصًا قد يفوقونه مهارة في مجالات محددة، ثم يمنحهم الثقة والصلاحية الكاملة، ويُشجّعهم على اتخاذ القرار، بل ويُبرزهم أمام الآخرين، وذات مرة سُئل: كيف استطعت أن تبني هذا النفوذ الواسع؟ فلم يتحدث عن نفسه، بل أشار إلى فريقه وقال ”أنا لا أصنع ثروتي بيدي وحدي، بل بعقول من حولي“.

ولذلك فالقائد الذي يُبقي الآخرين خلفه، غالبًا ما يظل محصورًا في حدوده، أما الذي يرفعهم ليكونوا معه، فإنه يوسّع حدوده حتى تتجاوز شخصه، وتستمر بعده، وهذا ما عبّر عنه أحد أشهر خبراء القيادة المعاصرين جون ماكسويل بقوله ”مقياس القائد ليس من يتبعه، بل من ينجح في صنعهم قادة“ لأنك في لحظة رفعك للآخرين لا تفقد موقعك، بل تتحول من ”قائد فرد“ إلى ”قائد أثر“ ومن اسمٍ محدود إلى قيمة عليا.

الخطر ليس في المنافس... بل في غيابه

في بعض الأدبيات القيادية يُروى أن راعيًا قديمًا كان يُدير قطيعه بمفرده، وكان يعتقد أن قوته في قدرته على السيطرة المباشرة على كلِ شيء، لكن مع مرور الزمن أدرك أن غيابه لأي سبب يعني ضياع القطيع، فبدأ بتدريب شابٍ من العاملين معه، لا ليكون تابعًا، بل ليكون راعيًا مثله أو أفضل منه.

وهنا تتجلى القاعدة التي استقر عليها الفكر القيادي الحديث وهي: أن أخطر ما يواجه أي منظومة ليس وجود بديلٍ قوي، بل غيابه، لأن؛ غياب البديل يعني: أن كل المنظومة معلّقة بخيطٍ واحد، فإذا انقطع، لم يسقط المركز لوحده، بل تهاوى البناء كله دفعة واحدة، وهذا ما أشار إليه جون ماكسويل بقوله ”القادة العظماء لا يصنعون تابعين، بل يصنعون قادة“.

ومن هذا كله يتضح أن غياب ”الرجل الثاني“ أو ”الصف الثاني“ ليس إجراءً شكليًّا أو خيارًا ثانويًّا أو مسألة إدارية هامشية، بل خللٌ بنيويّ يمس جوهر الكيان نفسه، فالمؤسسات أو المشاريع التي تُبنى على الفرد الواحد أو الفكرة الواحدة، تبدو قوية في حضور صاحبها، لكنها لا تلبث أن تتفكك في غيابه، عكس تلك المؤسسات التي تُؤسس على الامتداد القيادي فإنها تتحول إلى كيانٍ حيّ يتكاثر من الداخل، ليُعيد نفسه بعد أفول صانعه.

وختامًا: يمكن القول إن ”الرجل الثاني“ ليس تهديدًا، ولا منافسًا كما يتوهم البعض، بل هو الامتحان الحقيقي لوعي القيادة ونضجها، فالقائد الذي يقلق من صناعة من يليه، إنما يكشف من دون أن يشعر أنه يرى موقعه كملكيةٍ شخصية لا كأمانة ومسؤولية، أما القائد الذي يُنجب من حوله قادة إنما يحوّل حضوره من لحظة عابرة إلى أثرٍ ممتد في الزمن، مصداقًا للمعنى النبوي الشريف ”خير الناس أنفعهم للناس“.