استمطار... وبحيرة
على الساحل الشرقي للمملكة، حيث تتكئ القطيف على ذاكرة خليجنا العربي، تتشكل مفارقة تستحق التأمل. نحن نعاني من رطوبة عالية لا تكاد تفارقنا معظم أيام السنة، ممزوجة بغبار دقيق يملأ الأفق، وحرارة كفيلة بدفع الهواء إلى الأعلى. ومع ذلك، يظل المطر حدثًا نادرًا، كأن عناصره حاضرة غائبة، لكن مع هذا الحضور الشكلي، لا زالت بذرة الأمطار عجفاء يابسة. هنا يلح سؤالان: لماذا لا تمطر إلا نادرًا؟ أين الخلل في سلسلة التحول من بخار إلى قطرات مطر متكرر؟
نحن هنا نريد أن نناقش إمكانية دراسة فكرة متكاملة بتحويل البخار إلى مطر يستفاد منه في الزراعة والشرب بدلًا من أن يضيع في البحار والصحاري القفار من خلال شقين: «1» استمطار و«2» بحيرة. الفكرة لا تنطلق من السماء، بل تتجذر من الأرض؛ إعادة تشكيل السطح بما يسمح للسماء أن تكمل دورتها الطبيعية ضمن أطر هندسية مدروسة. ليس الغرض من اقتراحنا بإنشاء البحيرة الاصطناعية ترفًا بصريًا، ولا مشروعًا تجميليًا، بل هو أداة هندسية تعيد ترتيب معادلة الماء في بيئتنا المحددة. حين ننشئ سطحًا مائيًا واسعًا، ضحل العمق نسبيًا، فإننا لا نخزن الماء بقدر ما نساعد على تحرره في صورة بخار. مساحة التبخر سوف تتضاعف، والرطوبة المحلية سترتفع، ومن ثم سوف يتشكل فرق حراري بين اليابسة والماء يدفع الهواء إلى الصعود. ومع الصعود تبدأ الحكاية التي غالبًا ما تتعثر في منتصفها؛ بسبب عدم اكتمال عملية تلقيح قطرة المطر.
بالرغم من أنه في الغلاف القريب من السطح، تتوفر في القطيف جسيمات غبار دقيقة تصلح أن تكون نوى للتكاثف. إلا أن هذه الجسيمات—التي نراها عبئًا وتشويشًا على حياتنا اليومية— فهي بمثابة الشرط الأولي لولادة القطرات. لكن وجود النوى لا يكفي، كما أن وفرة البخار أيضًا لا تكفي، إذ يحتاج الانتقال إلى تكوين القطرة إلى عتبة حرجة، إلى لحظة تترجح فيها الكفة فينقلب البخار قطرًا. هنا يظهر دور Cloud Seeding ”الاستمطار“ بوصفه تدخلًا بشريًا محسوبًا، يسرع ما هو ممكن أصلًا، من دون أن يوجد ما ليس له إمكان الوجود.
تقوم تقنيات الاستمطار على إدخال مواد محفزة—من أشهرها Silver Iodide—إلى السحب، فتعمل كنوى فعالة تعجل بانتظام جزيئات الماء حولها، فتتشكل قطرات أكبر، وتزداد فرص هطولها. غير أن الاستمطار، في بيئة لا تمتلك مخزونًا كافيًا من البخار، يشبه محاولة دفع نهر بلا منبع. من هنا تتكامل الفكرة، بإنشاء البحيرة التي سوف ترفع المنبع المحلي للبخار، بينما يسرع الاستمطار في تشكل المصب. إنهما معًا يدا بيد يعملان كحلقة واحدة تغلق نقصًا مزمنًا في السلسلة المطرية.
اختيار القطيف لم يكن مصادفة، بل هو قراءة دقيقة لموضع يقف عند تقاطع ثلاث قوى. بحر يمد الهواء بالرطوبة، ويابسة تسخن سريعًا فتدفع الهواء إلى الارتفاع، وغبار صحراوي يقدم نوى التكاثف. هذه بيئة نصف مكتملة، ينقصها مضاعف «catalyst» محلي يثبت العناصر في نظام فعال. البحيرة، حين تصمم على أساس أن تكمل هذا النقص، لن تكون مجرد خزان مائي ضخم وعذب، بل هي مولد ديناميكي للرطوبة، يرفع من احتمالية تشكل السحب القابلة للاستجابة لعمليات الاستمطار.
غير أن الفكرة - كي لا تتحول إلى مجرد وهم هندسي - تحتاج إلى ضبط دقيق. عمق البحيرة يجب أن يوازن بين تقليل الفواقد وزيادة التبخر؛ الموقع ينبغي أن يلتقط الرياح الرطبة القادمة من الخليج ويحولها إلى تيارات صاعدة فوق السطح المائي؛ الحواف والتدرجات الحرارية تصمم بحيث تعزز الحمل الحراري بدل أن تبدده؛ وإدارة المياه يجب أن تراعي الاستدامة، فلا تتحول الزيادة في التبخر إلى استنزاف صامت. إننا هنا لا نبني شكلًا، بل نسعى لأن نضبط نظامًا مدروسًا متكاملًا هادفًا وفعالًا.
ومن جهة أخرى، لا بد من دراسة الأثر البيئي لهذا التغيير من خلال قراءة واعية. هل ستنقلب ملوحة التربة المحيطة بالقطيف بسبب كثرة الاستمطار، تبعًا لذلك؟ كيف ستتأثر الكائنات الدقيقة والطيور المهاجرة لهذه الهندسة المناخية؟ ما هي حدود التبخر المقبولة في مناخ حار أصلًا؟ هذه أسئلة لا ينبغي أن تعطل الفكرة، بقدر ما أنها ستصب في نضجها أكثر؛ لأن أي تدخل في دورة الماء هو تدخل في شبكة حياة متكاملة.
في الختام، يصبح الاستمطار امتدادًا طبيعيًا لعمل البحيرة، لا بديلًا عنها. في وقت قد لا يكون انتظار الغيوم كافيًا، وربما يكون الأجدى أن نهيئ له أسباب الاستقطاب. هكذا، بسواعد المخلصين من أبناء القطيف سوف تتحول البحيرة من مجرد أمنية عابرة إلى صرح علمي، يعيد كتابة العلاقة بين الأرض والسماء. بذرتها ستكون من خلال قرار يتخذ على الأرض، وحينها فقط، سيصبح المطر أقرب إلى الوعد الذي يجد طريقه إلى التحقق.











