آخر تحديث: 2 / 5 / 2026م - 3:39 م

الغرب وتراجع الصورة

أمير بوخمسين

لم تعد المسألة مجرد اختلاف في وجهات النظر حول نموذج حضاري تهاوى، بل تحولت إلى حالة عامة من التراجع في صورة الغرب المتحضر، الإنساني، المنظم، المتفوق معرفيًا وتكنولوجيًا، والحامل لواء العدالة والمساواة.

قدم الغرب نفسه باعتباره نتاجًا مباشرًا لتراكم فكري وفلسفي عميق، صاغته عقول مثل جون لوك وجان جاك روسو وغيرهم، ورسخته مبادئ العقد الاجتماعي، وسيادة القانون، وحقوق الإنسان.

غير أن هذه الأطروحات، التي بدت يومًا كمرجعيات إنسانية عامة، أصبحت الآن أدوات وظيفية، تُستدعى حين تخدم التوسع والنفوذ، وتُستبعد حين تعيق القرار.

في واجهة المجتمع، تبرز دعوات المساواة والعدالة، وترفع شعارات مناهضة التمييز، وتُسن القوانين التي تحمي الحقوق. لكن خلف هذه الواجهة ليست كل القوانين سواء، وليست كل الشعوب مكانًا متكافئًا للتطبيق.

ليتحول القانون في كثير من الأحيان إلى أداة مرنة، تُطبَّق وفق ميزان القوة، وليس ميزان العدالة. وتمارس ضغوط كبيرة على دول بعينها تحت لافتة الحقوق، بينما تغض الطرف عن انتهاكات مماثلة أو أشد لدى الآخرين، ما يكشف بوضوح أن المرجعية لم تكن أخلاقية خالصة، إنما هي في جوهرها سياسية قُحّة.

وفي السياسة، فإن الخطاب الذي يفترض أنه عقلاني ومؤسسي، لم يتردد في استدعاء أدوات التعبئة العاطفية والدينية عند الحاجة، كما ظهر في تجارب قيادية بارزة، هنا يتجلى التناقض بوضوح. من ينادون بالعلمانية ويرفعون شعاراتها، لا يترددون في توظيف الدين حين يخدم الحشد السياسي.

إن كثيرًا من النظريات التي جاءتنا بوصفها قواعد ثابتة للتقدم، لم تكن دائمًا كذلك. لقد صيغت في سياقات تاريخية محددة، وخدمت في مراحل معينة مشروع القوة الغربية. وحين تغيرت المصالح، تغير معها مستوى الالتزام بهذه المبادئ.

ومع أن هذه المجتمعات أنتجت أدوات النقد، وفتحت المجال أمام الصحافة والمؤسسات الإعلامية لكشف هذه التناقضات، لكن المفارقة تظل قائمة، فالقيم موجودة، لكنها ليست الحاكم الوحيد، بل تتنازعها منظومات نفوذ قادرة على تطويعها أو تجاوزها.

إنها وقائع خرجت إلى العلن، وأجبرت الكثيرين على إعادة النظر في مسلّماتٍ ظنّوها نهائية.

لقد قيل لنا طويلًا إن الغرب يمثل ذروة العقلانية السياسية، وأن نظامه الديمقراطي هو التعبير الأرقى عن إرادة الشعوب، وأن علمانيته حصن منيع ضد تسييس الدين. لكن ما تكشف لنا تباعًا أظهر للعالم أجمع بنية مزدوجة، تمثلت في خطابات نظرية كانت تفيض بالقيم، وممارسات واقعية تدار بمنطق القوة والتعبئة.

وتحولت الديمقراطية التي قُدمت كحكم للشعب، عند الامتحان، إلى إدارةً للرأي العام، تُصاغ فيها القناعات عبر الإعلام، بحسبِ الحاجة. والعلمانية، شعار الفصل بين الدين والسياسة، صارت تظهر حين الحاجة إلى شحن الجماهير، ثم تختفي حين ينتهي دورها.

نحن نتحدث عن منظومة تسن القوانين وتنتج الخطاب الأخلاقي، وتفشل في حمايته من نفسها. والأدهى من ذلك، أن خطاب ”حقوق الإنسان“ الذي طالما استخدم كأداة تقييم للآخرين يظهر انتقائيًا بوضوح سافر، يظهر في ملفات، ويختفي في أخرى، ما نشاهده اليومُ كشفَ لنا وهم التفوق الأخلاقي، وأسطورة الحياد، وادعاء الحضارة. إذا كانت هذه هي المنظومة التي قدمت لنا كأفق نهائي للتقدم، فكم من أوهام أخرى ما زلنا نُحسن تصديقها؟

لقد شكل صعود وسقوط رموز اختبارًا حقيقيًا لصورة الغرب بوصفه نموذجًا مكتملًا للحضارة الإنسانية، لأنه كشف بوضوح صادم ما كان يُدار خلف ستار اللغة المنمقة. تراجعت الأسطورة التي صورت الغرب باعتباره كتلة متجانسة من التحضر والإنسانية والترتيب والتفوق المعرفي. تلك الصفات التي لم تكن وهمًا كاملًا، لكنها أيضًا لم تكن الحقيقة الكاملة. لقد أُحيطت بهالة من التقديس، حتى صار نقدها عند بعضنا أقرب إلى المحرم.

اليوم، لم يعد ذلك التقديس موجودًا، لأن الصورة التي صدّروها إلينا ظهرت كأي تجربة أخرى فيها إنجاز، وفيها فشل، وفيها ازدواجية. أولئك الذين بالغوا في الارتهان لهذا النموذج من المتغرّبين، يواجهون الآن اختبارًا فكريًا صعبًا، هل يستمرون في الدفاع عن صورة لم تعد قائمة، أم يعيدون بناء رؤيتهم على أساس أكثر واقعية؟