آخر تحديث: 1 / 5 / 2026م - 9:07 م

من وادي النمل

مصطفى صالح الزير

يمر القارئ على مشهدٍ قرآني قصير، لكنه عميق الأثر، كأنه لقطة عابرة في طريق طويل، بينما هو في الحقيقة مدرسة كاملة في تهذيب النفس وبناء الوعي. يقول الله تعالى:

﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ آلنَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَـ?أَيُّهَا آلنَّمْلُ آدْخُلُوا? مَسَـكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَـنُ وَجُنُودُهُ? وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ [النمل: 18].

في هذا المشهد، نملةٌ صغيرة ترى جيشاً عظيماً يقترب، وتدرك الخطر، لكنها لا تفقد إنصافها، ولا تسقط عدلها في لحظة الخوف لم تتهم، ولم تُسِيء الظن، بل قالت كلمة تختصر منهجاً أخلاقياً كاملاً: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ أَي إِن وقع الضرر، فليس عن قصدٍ ولا عن نية سوء. إنها لحظة وعيٍ نادرة، يُقدَّم فيها العذر قبل أن يقع الفعل، وتُصان فيها النيات قبل أن تُدان الأقوال والأفعال.

ومن هذا الوادي الصغير، تبدأ رحلة الإنسان مع نفسه؛ فالمؤمن يمر كل يوم بمواقف تشبه ذلك المشهد: يسمع كلمة، يرى تصرفاً، تصله رواية، فتتحرك داخله رغبة الحكم. وهنا يأتي التوجيه الإلهي الحاسم:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ [الحجرات: 12]، ليؤسس قاعدة: ليس كل ما يخطر في بالك حق، وليس كل ما تسمعه يستحق التصديق.

فقد ورد عن الإمام زين العابدين والإمام الباقر والإمام الصادق : «صلاح حال التعايش والتعاشر ملء مكيال: ثلثاه فِطنة وثلثه تغافل»، ميزان دقيق يجمع بين الوعي وعدم الانخداع، وبين التغافل الراقي الذي يحفظ القلوب من التمزّق.

وورد عن النبي محمد ﷺ: «احمل أخاك المؤمن على سبعين محملًا من الخير»، وعن أمير المؤمنين علي : «لا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوءاً وأنت تجد لها في الخير محملاً»، وعن الإمام الصادق : «إذا بلغك عن أخيك شيء تنكره فالتمس له عذراً إلى سبعين عذراً، فإن لم تجد فقل: لعل له عذراً لا أعرفه». وهذه النصوص لا تدعو إلى السذاجة، بل إلى تهذيب القلب من التسرع، وإلى بناء إنصاف داخلي يمنع الإنسان من ظلم الناس.

هذا المنهج التربوي لا يلغي الحذر، بل يكمله. المؤمن يبدأ بحسن الظن ما لم يثبت العكس، وأن يتعامل مع ما يعنيه بحكمة ومسؤولية. فإذا سمع الأب عن ابنه أمراً مقلقاً، لا يتهمه ابتداءً، بل يحمل الأمر على البراءة، ثم يقترب منه بالنصح، ويعالج الأمر من جذوره قبل أن يتفاقم. فهو يجمع بين رقة الظن ويقظة المسؤولية.

إن الخسارة الحقيقية لا تقع حين نحسن الظن ونُخطئ التقدير، بل حين نسيء الظن ونظلم الأبرياء. فمن حمل أخاه على الخير ثم تبيّن خلاف ذلك، لم يخسر شيئاً، أما من اتهم وتكلم وأسقط، ثم ظهرت البراءة، فقد خسر قلباً، وربما علاقة، وربما وقف يوم القيامة أمام حق لا يُجبر. ولهذا كان التوجيه الأخلاقي واضحاً في كلمات أمير المؤمنين لكميل بن زياد: «يا كميل، أخوك دينك فاحتط لدينك بما شئت»، أي أن تعاملك مع الناس ليس أمراً عابراً، بل هو جزء من دينك الذي تُحاسب عليه.

وهكذا نعود إلى وادي النمل، لا كقصةٍ تُروى، بل كمرآةٍ نرى فيها أنفسنا؛ وبأن يكون الإنسان عادلاً حتى في خوفه، ومنصفاً حتى في اضطرابه، وأن يُقدّم العذر على الاتهام ما وجد إليه سبيلا.

إن المجتمع لا يُبنى بخلوّه من الأخطاء، بل بامتلائه بالقلوب التي تعرف كيف تعذر، وكيف تتحقق، وكيف تحذر دون أن تظلم وتجرح القلوب.

حين يسكن في داخل الإنسان صوت تلك النملة: ”وهم لا يشعرون“، يصبح أقرب إلى الرحمة وأبعد عن الظلم والندم.