آخر تحديث: 1 / 5 / 2026م - 1:14 م

فذبحوها وما كادوا يفعلون

تحدّث الله سبحانه في القرآن الكريم عن قصة البقرة ببيانٍ عظيم، في سبع آياتٍ محكمات، ولم تكن تلك القصة لمجرّد سرد حادثةٍ من غابر التاريخ، بل جاءت لتقدّم للبشرية درسًا عظيمًا يحتاجه كل إنسانٍ في حياته.

فليس من أحدٍ إلا وتمرّ به أحداثٌ تملأ صفحات حياته، ومواقف تكشف له حقيقته، وحقيقة من حوله. وهنا يكشف الله سبحانه جانبًا دقيقًا من حقيقة الإنسان، يتمثّل في موقفه من تلك الأحداث والقضايا.

ورغم أن الحقيقة ماثلةٌ أمام الإنسان، وقد صرّح الله تعالى بذلك في قوله: ﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ [القيامة: 14-15]؛ إلا أن كثيرًا من الناس يُغالط نفسه، ولا يقبل الاعتراف بحقيقته، حتى بينه وبين ذاته؛ فهو لا يجهلها، ولكنه يتهرّب منها.

وقد لا تكون المشكلة كبيرة حين تكون هذه المغالطة فيما يتعلّق بالذات، غير أنها تأخذ بُعدًا أخطر حين تمتدّ إلى الآخرين، وتبلغ ذروتها حين تمسّ حقوقهم.

والقصة لا تقف عند حدود بني إسرائيل، ولا تنحصر في تفاصيل بقرةٍ طُلب ذبحها، بل تتجاوز ذلك لتضع الإنسان أمام مرآةٍ صادقة يرى فيها نفسه.

فكم من أمرٍ واضحٍ لا لبس فيه، ومع ذلك تعاملنا معه بتردّدٍ يشبه تردّدهم، وبتعقيدٍ يشبه تعقيدهم، حتى تحوّل الواضح في أعيننا إلى معضلة، والبسيط إلى مسارٍ مثقلٍ بالتفاصيل.

إنها ليست أزمة معرفة بقدر ما هي أزمة موقف؛ حيث يعرف الإنسان ما ينبغي أن يفعل، لكنه يؤجّل، ويُماطل، ويُغرق نفسه في دوائر من الأوهام التي ينسجها، لا طلبًا للفهم، بل هروبًا من الفعل.

وقد لا يقف أثر هذا التردّد عند ذاته، بل قد يمتدّ إلى غيره؛ فهناك من يقف على ضفّة الانتظار، لا لشيءٍ إلا لأن غيره لم يحسم أمره بعد. حقٌّ واضح، وتأخيرٌ بلا مبرّر، وصاحبُ حقٍّ يُستنزف صبره يومًا بعد يوم، يترقّب لحظةً كان ينبغي أن تكون عابرة، فإذا بها تمتدّ زمنًا يثقل قلبه.

وبسبب ذلك، تتآكل في داخله مشاعر الثقة، لا لأن الحقّ غامض، بل لأن من عليه الحقّ لم يُقدم عليه في وقته. حتى إذا أُعطي حقَّه، أعطيه بعد أن استُنزف صبره، واستُهلك عمره في الانتظار، وفَقَدَ جزءًا من طمأنينته التي كان ينبغي أن تصاحب وصول حقّه في حينه.

ومن هنا تبدأ القصة الحقيقية، ليست قصة بقرةٍ ذُبحت، بل قصة إنسانٍ يعرف الحق، لكنه لا يكاد يفعل.

ونحن حين نتأمل صفحات حياتنا نجد كثيرًا من المواقف التي تنطبق عليها هذه الحقيقة، سواءً فيما يتعلق بذواتنا، أو بعلاقتنا مع الآخرين، وسواءً كنّا نحن الغارقين في الأوهام، أو كان الآخر قد سلّط أوهامه علينا.

والقضايا التي ينطبق عليها هذا المعنى كثيرة؛ فكم من إنسانٍ مجتهدٍ أقعدته أوهامه عن مواصلة دراسته، حين نسج من العراقيل ما جعله مبررًا لتقاعسه وتخاذله.

وكم من مبدعٍ حَجَّم نفسه داخل دائرةٍ مغلقة، صنعها من تعقيداتٍ توهّمها، فكانت حائلًا بينه وبين انطلاقته وبزوغ نجمه في الآفاق.

وكم من حقٍّ سُلب، أو ماطل فيه من وجب عليه أداؤه، حتى إذا بلغ بصاحب الحق حدّ نفاد صبره، أُعطي حقه على مضض.

فلماذا، يا تُرى، يقبل الإنسان أن يعيش هذه الحالة؟

فإذا كان الأمر بينه وبين ذاته، فهو وشأنه، أما إذا تجاوز ذلك إلى الإضرار بالآخرين، وضياع حقوقهم، فذلك أمرٌ خطير، ولا يليق بإنسانٍ في أعماقه نبضٌ من الإنسانية أن يرضى لنفسه أن يكون رهينةَ أوهامٍ تسلب الآخرين حقوقهم.

وهنا تتجلّى الحقيقة التي كشفتها الآية الكريمة بعمقٍ بالغ؛ فالمشكلة لم تكن يومًا في غموض الأمر، بل في التردّد تجاهه، ولم يكن العجز في الفعل، بل في مقاومة الإقدام عليه. ولذا قال تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ [البقرة: 71].

فالحكاية ليست عن قومٍ مضوا، بل عن إنسانٍ يتكرّر في كلِّ زمان؛ يعرف ما ينبغي عليه، ويدرك طريق الحق، لكنه يُؤجّل، ويُماطل، ويُحيط نفسه بالأوهام، حتى يتحوّل الواضح في داخله إلى عبءٍ ثقيل.

والمؤلم أن الفعل يحدث في النهاية، ولكن بعد أن تُستنزف الإرادة، ويَخبو العزم، ويُدفع ثمن التردّد والمماطلة والتأخير؛ من العمر، أو من الفرص، أو من حقوق الآخرين.

فكم من ”ذبحٍ“ تمّ في حياتنا، ولكن كاد ألا يكون.