آخر تحديث: 30 / 4 / 2026م - 2:23 م

حين تبدأ التحديات من الداخل

دكتورة لمياء عبدالمحسن البراهيم * صحيفة اليوم

في كثير من المؤسسات، لا تبدأ التحديات من خبرٍ نُشر، ولا من تصريحٍ أُسيء فهمه، بل من مساحة أكثر هدوءًا.. وأشد تأثيرًا:

رسالة داخلية غير منسقة، موظف يفسّر قرارًا بطريقته، وقائد يعبّر عنه بلغة مختلفة، ومنصة داخلية تنقل جزءًا من الصورة وتغفل بقيتها.

وقبل أن تصل الرسالة إلى الخارج، تكون قد تبدّلت ملامحها.

وهنا لا نكون أمام «تحدٍّ إعلامي» بالمعنى التقليدي، بل أمام تطورات داخلية مؤسسية بدأت من الداخل، ثم خرجت لتُقرأ في العلن.

في الممارسة المؤسسية، تتكرر هذه اللحظة أكثر مما نتصور.

الرسائل لا تعيش بمعزل عن سياقها، بل تتحرك داخل منظومة معقدة من الفهم، والتفسير، والتوقيت، واللغة.

من يفهم الرسالة أولًا؟

ومن يعيد صياغتها؟

ومن يقرر ما يُقال.. ومتى يُقال.. وهل يُقال أصلًا؟

هذه الأسئلة ليست تفصيلًا تشغيليًا، بل صلب عمل العلاقات العامة.

ولعل أحد أكثر الأخطاء شيوعًا هو اختزال العلاقات العامة في التغطيات الإعلامية أو تنظيم الفعاليات أو حتى التسويق المؤسسي. هذه أدوات.. لكنها ليست الدور.

العلاقات العامة، في جوهرها، إدارة إدراك. إدارة لما يُفهم عن المؤسسة، قبل أن يكون إدارة لما تقوله.

التجارب، محليًا وعالميًا، تؤكد أن التحديات نادرًا ما تنشأ فجأة.

هي تتكوّن على مهل، عبر تراكمات صغيرة:

رسالة غير دقيقة، تصريح متعجل، أو صمت في غير موضعه.

في المقابل، أظهرت تجارب ناجحة - ومنها ما شهدناه خلال جائحة كورونا - أن وضوح الرسالة واتساقها وتكرارها من خلال قنوات متعددة، وبأصوات موحدة، يحد من الارتباك، ويعزز الثقة، ويزيد من الالتزام.

لم تكن المعلومة وحدها كافية، بل طريقة إدارتها.

وعلى الضفة الأخرى، كشفت تطورات داخلية عالمية في قطاعات مختلفة أن المشكلة لم تكن في الحدث نفسه، بل في تضارب التصريحات، أو تأخر التوضيح، أو إنكار المشكلة قبل فهمها.

وفي كل مرة، كانت النتيجة واحدة:

تآكل الثقة. وهنا تبرز الحوكمة. ليست الحوكمة لوائح جامدة تُضاف إلى رفوف السياسات، بل إطار عمل يحدد بوضوح:

من يتحدث؟

ومتى؟

وبأي لغة؟

وما الذي لا يُقال؟

كما تربط الحوكمة الرسائل بالأهداف، وتحوّل العمل من اجتهادات فردية إلى منظومة قابلة للقياس والمراجعة.

وجود دليل إجرائي للتواصل المؤسسي، وبروتوكولات واضحة لإدارة التطورات الداخلية، ومؤشرات أداء مرتبطة بالمدى القصير والمتوسط والطويل، كلها عناصر تفصل بين مؤسسة تتفاعل... وأخرى تقود.

الفرق بينهما ليس في الإمكانات، بل في المنهج. لكن الحوكمة، على أهميتها، لا تعمل في فراغ.

العنصر الحاسم يظل: التواصل الداخلي. الموظف هو أول من يتلقى الرسالة، وأول من يفسّرها، وأول من ينقلها، بوعي أو دون وعي.

إذا لم تُدار هذه الحلقة، ستخرج الرسالة إلى الخارج محمّلة باجتهادات شخصية، وتقديرات فردية، وقدر من الانفعال. وهنا تبدأ الروايات، ثم تتشكل القناعات، ثم تتحول إلى تحدٍّ.

من هنا، يصبح التواصل الداخلي ليس وظيفة مساندة، بل خط الدفاع الأول عن السمعة المؤسسية.

المؤسسات التي تنجح في هذا الجانب، لا تنتظر التحدي لتتحرك، بل تبني قنوات داخلية فعّالة، وتدرّب قياداتها على الرسائل، وتستثمر في تأهيل المتحدثين، ليس فقط للظهور الإعلامي، بل حتى للحضور في الاجتماعات، وطريقة عرض القرارات، واختيار الكلمات.

فكثير من التحديات لا تحتاج إلى رد، بل إلى ضبط ما يُقال قبل أن يُقال.

وأحيانًا، يكون الصمت قرارًا مدروسًا، لا فراغًا.

لكن الصمت، إن لم يُفهم سياقه، قد يُقرأ بطرق متعددة.

وهنا يأتي دور التواصل المؤسسي في توضيح الإطار، دون الإفراط في التفسير.

في نهاية المطاف، العلاقات العامة ليست إدارة صورة مثالية، بل إدارة صورة متماسكة. ليست تجميلًا، بل اتساق.

والحوكمة ليست عبئًا إداريًا، بل صمام أمان يحمي المؤسسة من قرارات متفرقة ورسائل متناقضة.

أما التحديات، فليست اختبارًا لقدرة المؤسسة على الرد، بل اختبار لما تم بناؤه قبل أن تصل اللحظة الحرجة.

لأن الرسالة.. لا تُقاس بما نقوله، بل بما يبقى في أذهان الآخرين بعد أن ننتهي من الكلام.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
محمد المرهون
[ القطيف ]: 30 / 4 / 2026م - 12:39 م
مقال جميل جدا
استشارية طب أسرة
مستشار الجودة وسلامة المرضى
مستشار التخطيط والتميز المؤسسي
كاتبة رأي