آخر تحديث: 30 / 4 / 2026م - 2:23 م

الصداقة لا تُقاس بمناسبة

الدكتور ماهر آل سيف *

في العلاقات الإنسانية خيطٌ دقيقٌ بين الوفاء والتكلّف، وبين المحبة والوصاية. وكثيرًا ما يفسد هذا الخيطَ عتابٌ متضخّم، لا لأن الصديق أساء، بل لأنه لم يحضر مناسبة، أو لم يشارك في عزاء، أو لم يبارك بترقية، أو لم يقف في خصومة كما وقف غيره. فيتحوّل الغياب العابر إلى محكمة، وتتبدّل المودة إلى لائحة اتهام، كأن الصداقة لا تثبت إلا بالحضور الدائم، ولا تصدق إلا إذا تبنّى الصديق كل مواقفنا، وأحبّ من نحب، وكره من نكره، وعادى من نعادي.

وهذا ميزانٌ قاسٍ، لا تُبنى به المجتمعات، ولا تستقيم به الصداقات. فالإسلام لم يربِّ الناس على التضييق، بل على سعة الصدر، وحسن الظن، والتماس العذر. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ، وقال سبحانه: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ . فالآيتان تضعان أصلًا عظيمًا: لا تبنِ حكمك على ظن، ولا تجعل الغضب سيدَ العلاقة.

ثم إن الناس ليسوا طبعة واحدة؛ فبينهم من يحب المجالس والمناسبات، وبينهم من تضيق نفسه بكثرتها، ومنهم من تمنعه ظروف العمل، أو أعباء الأسرة، أو التزامات خفية لا يعلمها إلا الله. وليس كل غياب جفاءً، ولا كل صمت قسوةً، ولا كل تقصيرٍ انقلابًا على الود. العاقل لا يسأل فقط: لماذا غاب؟ بل يسأل قبل ذلك: كيف كانت معاملته لي طوال السنين؟ هل كان وفيًّا عند الحاجة؟ هل كان حسن العشرة؟ هل يُمحى سجلّ المواقف النبيلة لأن مناسبةً فاتته؟

وقد قال النبي صل الله عليه وآله وسلم: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره». والخذلان ليس أن يتأخر عن مناسبة، بل أن يتخلى عنك ظلمًا، أو يهدمك عمدًا، أو يشمت بك قصدًا. أما اختلاف الطباع والمواقف الاجتماعية، فليس خيانة، بل من طبيعة البشر.

ومن جميل ما رُوي عن الإمام علي : «ضَعْ أَمْرَ أَخِيكَ عَلَى أَحْسَنِهِ، حَتَّى يَأْتِيَكَ مِنْهُ مَا يَغْلِبُكَ». وهذه حكمة لو سادت، لقلّ العتاب، واتسعت مساحات الصفح، وبقيت العلاقات أصلب من أن تكسرها مناسبة عابرة.

إن الصديق لا يُقاس بلحظة غياب، بل بتاريخ حضور. ولا يُوزن بموقفٍ واحد، بل بمجمل خُلقه ووفائه. فلنترفّق في العتاب، ولنكثر من الأعذار، ولنعلم أن التسامح ليس ضعفًا، بل فقهٌ في النفوس، وحفظٌ للمودة، وصيانةٌ لما تبقّى من جمال العلاقات في المجتمع.