آخر تحديث: 30 / 4 / 2026م - 2:23 م

القراءة وسؤال الوعي

يوسف أحمد الحسن * مجلة اليمامة

ربما يكمن الفرق بين أن يقرأ أحدنا من كتاب كي يسد نقصًا علميًّا، وأن يحاول ذلك عبر الاستماع لمحاضرة حماسية، في كون الأول يعتمد في الغالب على العقل، أما الثاني فيعتمد بشكل عام على العاطفة والوجدان. فالمتحدث مثلًا، الذي يعتمد على لسانه وذاكرته فيقابله المستمع في اعتماده على أذنيه، غالبًا ما يتكئ على رنة صوته أو نبراته من أجل إقناع الطرف الآخر بوجهة نظره أو إيصال معلومة له، وقد ينسى جانبًا من المعلومات أو فكرة مهمة، بل قد يخطئ في نقل تاريخ أو رقم ما، وربما خلط حتى في نقل معلومة.

إن هذه الملاحظة، إلى جانب أمور أخرى، هي ما دفعت الإنسان الأول للتحول من الحالة الشفاهية السماعية، التي تعد أسهل بكثير، باتجاه الكتابة والتوثيق؛ دفعًا لأي لبس محتمل أو خطأ في النقل.

وهكذا، ونتيجة للجهد الكتابي، فإن البشر استطاعوا أن يراكموا كمًّا هائلًا من المعارف على مدار التاريخ، منذ بدء التدوين والكتابة، ما أدى بدوره إلى درجة من الارتقاء المعرفي للبشرية وإلى مزيد من التطور الذي يعد الجانب التكنولوجي أبرز تجلياته. كما أن الكتابة حفظت التراث العلمي من الاندثار ونقلته إلى أجيال بعده، محولة إياه من أفكار شفهية قابلة للضياع أو التحريف إلى واقع صلب يمكن الاستناد إليه ولو بعد زمن بعيد.

وتكمن مشكلة نشر الوعي عبر الاستماع في محدوديته الزمكانية في حال كان وجهًا لوجه، أما في حال كونه مسجلًا «عبر الوسائل الحديثة»، كما هو حاليًّا، فيعد خطوة متقدمة جدًّا؛ نظرًا لإمكانية إعادة الاستماع إليه مرارًا وتكرارًا، رغم بعض القصور الذي قد يكتنف هذه الوسائل واحتمال ضياعها أو تبددها بمرور الوقت أسرع مما قد يحصل للكتب.

وتضاف ميزة تعزيزية للقراءة على الوعي، وهي إمكانية انتشارها وتأثيرها الزمكاني حتى لتنتشر في بقع جغرافية واسعة على مدى زمني متسع، مع إمكانية أسهل للترجمة ونقلها إلى لغات أخرى. ويستطيع أي شخص أن يتفحص ما هو مكتوب ويتأكد من مصداقيته أسهل من المسموع، ما يجعلها «القراءة» قنطرة مثلى بين اللاوعي والوعي، لكونها تعطي فرصة للمقارنة والبناء العقلي الراسخ، وهو ما قد يساعد في تقليل نزعة التعصب لدى البعض نتيجة تعرضهم لنماذج متعددة من الأفكار والتوجهات ومقارنتها ببعضها البعض، فيدركون حينها أن لكلٍّ أسبابَه ومبرراته لاعتناق فكرة ما.