من عبق الماضي: ”المنز“ مهد الطفولة الأولى
في ذاكرة القطيف، حيث تمتد ظلال النخيل وتتشابك الحكايات مع عبق الزمن، تظل تفاصيل الحياة البسيطة شاهدة على عمق التراث وجمال الماضي، أجل كانت هناك أشياء لم تكن مجرد أدوات تستخدم، بل كانت امتدادًا للروح وحكاية تروى جيلًا بعد جيل، ومن بين تلك التفاصيل الدافئة يبرز ”المنز“ بوصفه أحد الرموز التي احتضنت البدايات الأولى للإنسان في هذه الأرض.
”المنز“ بكسر الميم وفتح النون وتشديد الزاي، وهو المهد أو السرير التقليدي القديم المصنوع من جريد ”سعف“ النخيل، لم يكن مجرد سرير لطفل حديث الولادة بل كان قطعة من البيئة ودفئًا من قلب الطبيعة، فقد كانت الأمهات يتهيأن لقدوم المولود بإعداده بعناية فينسج من الجريد المجفف تحت أشعة الشمس ويشكل على هيئة قفص مستطيل تعلوه قوائم تلتقي في قمة أشبه بهرم مفتوح ليكون سهل الحمل والهز، وكأنما صمم ليحاكي حنان الأم في حركته وسكونه.
في البيوت القديمة حيث تبنى الجدران من الطين وتسقف بجذع وبسعف النخيل، كان ”المنز“ يعلق بحبال تتدلى من السقف ويتمايل برفق مع نسمات الهواء أو بحركة يد حانية فيغفو وينام الطفل على إيقاع الحياة البسيطة، ولم يفقد مكانته في قلوب الناس، بل استقر ”المنز“ على الأرض على مر الزمن وبقي في تفاصيل حياتهم اليومية.
أما الرجال المهرة الذين يصنعونه فيُعرفون ب«القفاصين» أولئك الذين يحولون جريد النخيل إلى مواد تخدم المجتمع، حيث تبدأ بتجفيف الجريد وبعدها تقطيعه وتشذيبه، ويثقب ويشبك بعناية فائقة باستخدام أدوات بسيطة من مشتقات النخلة أيضًا، وهذه هي خبرة متوارثة دون مسامير أو مواد إضافية، ترى ”المنز“ في تماسك الجريد وحده.
لم يكن ”المنز“ واحدًا في شكله، بل كان يتكيف مع حاجة الطفل، على حسب حجم الطفل بتعدد مراحل عمره حتى يكبر، وأحيانًا بطابقين يجمع بين المهد وحاجيات الرضيع، كالفرش والوسادة وأشياء أخرى تبتكرها الأمهات للعناية بأطفالهن كربط المهد بخيط إلى أقدامهن ليهتز بلطف إن بكى وهن في غفوة فجأة أو نوم متقطع، لقد كان ”المنز“ أكثر من أداة وكان مشهدًا حيًّا من المحبة حيث تتشارك فيه الأسرة والأطفال يتسابقون لهزه والأم ترعاه بعين لا تنام والبيت كله يحتضن تلك اللحظة الأولى من النور.
واليوم تكثر المهودُ الحديثةُ وبأشكال وألوان مختلفة ومتعددة ومتطورة لكن رغم ما جلبه العصر إلا أن ”المنز“ يبقى رمزًا لا يغيب في الذاكرة القطيفية وأثرًا من عبق الماضي الذي لا ينسى ما زال معلقًا في خيوط ذلك المهد وفي رائحة الجريد وفي ذاكرة كل من عاش أو سمع حكاية من حكايات القطيف، أجل؛ إنّه تراث لا يقاس بماهيته المادية، بل بما يحمله من دفء وما يرويه من قصة بداية إنسان وبداية حكاية لا تزال تنبض بالحياة.











