العلم خزائن ومفتاحها السؤال في حديث الإمام الرضا (ع)
يروي الإمام علي بن موسى الرضا
عن آبائه الطاهرين، عن رسول الله ﷺ قوله:
«العِلمُ خزائنُ ومفتاحُها السؤالُ، فاسألوا يرحمكم الله، فإنَّه يُؤجَرُ فيه أربعةٌ: السائلُ، والمعلِّمُ، والمستمعُ، والمحبُّ له». في نسخة «ان هذا العلم خزائن اللّ?ه ومفاتيحه». [1]
إن حديث الإمام الرضا
”العلم خزائن ومفاتيحه السؤال“ هو من الأحاديث الجامعة، التي يختصر فيها فلسفة العلم في كلمات قليلة، ويجعل الإنسان أمام أبواب مشرعة يفهم فيها العلاقة بين المعرفة والبحث، وبين السؤال والهداية، وإن أول ما يلفت النظر في هذا الحديث الشريف هو التعبير عن العلم بأنه خزائن، فالخزائن تحفظ فيها النفائس والكنوز خوفاً من التلف أو الضياع، وهذا يدل على أن العلم شيء نفيس وقيم، مثل أي كنز ثمين ينبغي الحصول عليه.
كي نصل إلى أي خزانة، ونعرف ما تحتويه من نفائس وكنوز، لا بدّ أولاً من فتحها. فعندما يقف الإنسان أمام خزانة مغلقة لا يعلم ما بداخلها، فإنه يحتاج إلى مفتاح يفتح له بابها، ويكشف له ما خفي وراءها من أشياء ثمينة وقيمة.
والمفتاح هنا هو السؤال؛ فهو الذي يفتح أمامنا خزائن العلم، ويزيل الحجاب عن كنوز المعرفة، ويكشف لنا ما تحمله من هداية وبصيرة. فالعلم في حقيقته كنز عظيم، لا يُنال إلا بالسؤال، ولا تُفتح أبوابه إلا بطلب الفهم والبحث عن الحقيقة.
ومن خلال هذا المفتاح ينتقل الإنسان من عالم الجهل إلى عالم المعرفة، ومن ظلمات الحيرة إلى نور اليقين، ومن ضيق الشك إلى سعة الفهم والاطمئنان، فيصبح السؤال بداية الطريق إلى الهداية، ومدخلاً إلى بناء العقل والوعي.
نلاحظ في الحديث الوارد عن الإمام
أنَّ السؤال في المنهج الإسلامي ليس علامة ضعف كما يعتقد بعض الناس، بل هو علامة تعكس وعي الإنسان ونضجه العقلي؛ لأنَّ الجاهل الحقيقي واقعاً ليس من لا يعلم، بل هو من لا يريد أن يعلم. أمّا الإنسان الذي يحب أن يسأل ويكثر السؤال، فهو إنسان يعترف بجهله، ويُقرّ بحاجته إلى المعرفة والعلم، وهذه في حقيقتها شجاعة عقلية ونضج فكري.
ومن اللطيف أن السؤال في اللغة يحمل معنى الطلب والاستكشاف، لكنه في الحقيقة يحمل معنى أعمق، وهو التواضع؛ لأن من يسأل يعترف ضمنًا بأنه لا يعلم، وهذا تواضع لا يملكه إلا العقلاء. ولذلك كان العلماء الكبار أكثر الناس سؤالًا، لأنهم أدركوا أن العلم بحر لا ساحل له.
وقد ابتُلي بعض الناس بثقافة خاطئة، إذ ينظرون إلى السؤال كأنه نوع من النقص أو الحرج، فيسكت الإنسان عن جهله خوفاً من نظرة الآخرين، ويبقى أسير الجهل والخطأ. لكن النبي ﷺ يقول: «فاسألوا يرحمكم الله»، فجعل السؤال طريقاً إلى الرحمة، وكأن السؤال يفتح للإنسان أبواباً من الرحمة الإلهية التي هو في أمسّ الحاجة إليها.
لذلك ينبغي للإنسان أن يطرح عنه الخجل، ويسعى نحو الفهم، لأن الرحمة الإلهية تفتح أبوابها لمن يطلب العلم عن طريق السؤال، ومن أحسن السؤال أحسن الوصول إلى المعرفة والهداية.
وكما نعلم فإن الحضارات كلها قامت على السؤال، أي أن كثيرًا من العلماء الذين وصلوا إلى كثير من الاكتشافات الكبرى التي حدثت في العالم إنما اكتشفوها من خلال السؤال، فقد سألوا: لماذا حدث هذا؟ كيف حدث هذا؟ ماذا لو حدث هذا؟ ماذا لو لم يحدث هذا؟ وعن طريق هذه الأسئلة ونظائرها التي كانت تدور في أذهانهم توصلوا إلى هذه الاستكشافات والإنجازات العلمية التي نراها، والتي ما زالت مستمرة وتعكس روح البحث العلمي كله. واقعاً ونجد أيضاً ذلك في الطفل الصغير، أن في بداية بنائه العقلي يكون الطفل كثير الأسئلة، لأنه يريد أن يفهم العالم من حوله من خلال هذه الأسئلة، وهذه طبعاً الأسئلة تعكس علامات وعي الطفل بالعالم الخارجي.
النقطة الأخرى المهمة التي نود الإشارة إليها أن الحديث الشريف أشرك في الأجر أربعة أشخاص، وهم: السائل، والمعلم، والمستمع، والمحب له؛ وهذه المشاركة واقعا تعكس اهتمام الإسلام بصناعة مجتمع يحب العلم، ولم يحصر الأجر فقط في السائل أو المجيب عن السؤال. فهنا السائل مأجور لأنه لديه رغبة في طلب العلم والمعرفة، ولا يرضى بأن يبقى جاهلاً، والمعلم مأجور لأنه بذل ما عنده من علمه وفتح أمام الناس أبواب الفهم والهداية، والمستمع أيضاً مأجور لحضوره مجالس العلم عقلاً وقلباً، فالإنصات في ذاته يعتبر عبادة حين يكون للحق. ثم تأتي الإشارة إلى شيء جداً لطيف، وهو أن المحب للعلم أيضاً مأجور، فالمحب للعلم الذي يحب العلم، ويحب أهل العلم، ويحب مجالس العلم، حتى لو لم يكن هو السائل أو المجيب، فإن حبه العلم والخير يجعل له أيضاً له نصيب من الأجر، لأن بداية الاقتراب من العلم تبدأ من الحب في البداية ثم الاقتراب من أهله للوصول إلى ينابيع العلم.
وتجسيد قيمة السؤال والعلم:
ومن ينظر ويتأمل في حياة الإمام علي بن موسى الرضا
يرى أنه قد جسّد هذا الحديث تجسيداً كاملاً في أجلى صوره في حياته الشريفة، فقد كان الإمام
مقصداً للعلماء وطلاب شتى العلوم، وكان ساحةً للأسئلة الكبرى في جوانب الحياة الشاملة، في العقيدة والفقه والفكر والمعرفة الواسعة، ولم يكن
يضيق بالسؤال، بل كان منفتحاً، كان يفتح صدره للسائلين ويعامل من يسأله باحترام كبير، لأن السؤال في حد ذاته علامة على حياة القلب والعقل.
وإن المتأمل في سيرة الإمام
يلمس ذلك في مناظراته الكثيرة التي كان يجريها الإمام
مع العلماء وأهل الملل المختلفة، والتي تعكس مثالاً راقياً في أدب الحوار، وتكشف أيضاً سعة العلم الذي كان يتمتع به الإمام
في إقامة الحجة وكشف الحقيقة، مما يدل على أن العلم ليس غاية بحد ذاته فقط، بل أداة هداية وصلاح.
وواقعاً إذا نظرنا في حياتنا المعاصرة نجد أن كثيراً من الأخطاء الأسرية والاجتماعية، بل وحتى الدينية، سببها واحد، وهو عدم السؤال. فعندما يتعامل الإنسان في العبادات أو في المعاملات، أو في تربية الأطفال، أو في القضايا الصحية وغيرها، مستنداً إلى الظن والتخمين، ومن دون الرجوع إلى أهل العلم والمعرفة، فإنه يقع في الخطأ؛ لأنه لم يسأل المختصين من أهل الاختصاص.
وكثير من الأزمات الكبرى التي تنشأ في المجتمعات إنما يكون سببها غياب السؤال الصحيح، أو توجيه السؤال إلى الشخص الخطأ، ولذلك ينبغي للإنسان أن يرجع إلى أهل الخبرة الذين يجمعون بين العلم والأمانة، لأن حسن السؤال نصف العلم، والرجوع إلى أهله هو الطريق الصحيح لتجنب الأخطاء وحماية الأسرة والمجتمع من كثير من المشكلات.
وفي التربية الأسرية ينبغي أن نعلم الأبناء أن السؤال فضيلة، وأن الطفل الذي يسأل الكثير ليس مزعجاً، بل إن سؤاله يعكس نمو عقله، وأن الطالب الذي يبحث عن الفهم ويناقش ليس طالباً متمرداً، وليس طالباً سيئ الأدب، بل هو باحث عن الفهم، وإن قتل السؤال في نفوس الأبناء يعني قتل روحهم الإبداعية.
وفي ختام هذا الحديث الشريف، يتضح لنا أن السؤال ليس مجرد وسيلة للحصول على المعلومة، بل هو مفتاح من مفاتيح الهداية، وطريق من طرق الرحمة، وباب واسع من أبواب النضج العقلي والروحي. فالعلم الذي شبّهه النبي ﷺ بالخزائن لا يمكن الوصول إلى كنوزه إلا بمفتاح السؤال، ولا يمكن للمجتمعات أن تنهض أو للأفراد أن يرتقوا إلا إذا أحيوا في أنفسهم روح البحث والتعلّم، وتحرروا من الخجل الذي يمنعهم من طلب المعرفة.
إن الإسلام أراد للإنسان أن يكون باحثاً عن الحقيقة، محباً للعلم، مقدّراً لأهله، وأن يبني مجتمعاً يقوم على الحوار والفهم لا على الجهل والتقليد الأعمى. ومن هنا فإن مسؤولية الأسرة، والمدرسة، والمؤسسات العلمية والدينية، أن تزرع قيمة السؤال الصحيح، وأن تجعل من طلب العلم ثقافة حياة لا موقفاً عابراً.
فالسؤال بداية العلم، والعلم بداية الهداية، والهداية طريق النجاة، ومن أحسن السؤال فُتحت له خزائن المعرفة، ونال رحمة الله، وكان من أهل النور والبصيرة.











