آخر تحديث: 28 / 4 / 2026م - 1:55 م

الديوانيات الرقمية: بين الطاقات المجمدة والتحفيز لحسن التوظيف

المهندس أمير الصالح *

قبل عقد من الزمن ومن دون سابق ترتيب، أُدرجت أرقام جوالات عدة من ضمنها رقم جوالي في ديوانية رقمية في مجموعة تواصل اجتماعي «واتساب» تحت مسمى معين؛ في بداية انطلاق تطبيقات التواصل الاجتماعي كنت متفاعلاً وشغوفاً ومندفعاً للانخراط في المجموعات، ولكن بعد مضي عدة سنوات اكتشفت أن الأغلب منها إهدار للوقت. واعتمدت حينذاك خاصية التنقيح وإلغاء عضويتي إلا من المجموعات المفيدة والنوعية المميزة. وبالفعل بعد حين تم إعادة إدراجي في مجموعة قديمة؛ وقبل أن ألغي إدراجي، قمت بمهمة التمحيص في أسماء أصحاب أرقام الجوالات المُدرجة، فوجدت أن بعض الأعضاء هم أصحاب طاقة علمية أو معرفية أو اقتصادية أو تجارية أو قانونية أو حملة شهادات أكاديمية تخصصية نافعة ومهنية متميزة في حقول التقييم العقاري والصناعي والتجاري، أو معارف طبية، أو أصحاب خبرة في أعمال حرة، أو مؤسسي مكاتب هندسية، أو أصحاب خبرة في العلوم النفسية والتربوية والتقنية، أو تقييم المصانع، أو معرفة مصرفية وتجارة رقمية، أو علاقات عامة اجتماعية مميزة بأهل السلطة والمعارف، أو من أصحاب خبرة إدارة السفر والسياحة.

وعلى مدى فترة زمنية لامست شهراً، لاحظت أن المشاركات التفاعلية في المجموعة الرقمية التي ضُممت إليها مجدداً أكثرها تتراوح بين قصاصات أنباء متناثرة وغير مترابطة، أو حالات تندر عارضة، أو استرسال لنقد لاذع يلامس بعض مظاهر الواقع الاجتماعي دون إطلاق أي مبادرات لحلحلة المعضلات. وآخرون يطربون في الإغراق في تكرار أسطوانة التحسر على ”أيام الطيبين“. تألمتُ أنه وبعد انقطاع دام عدة سنوات عن ذات المجموعة لأسباب عدة ومنها صحية، إلا أن معدل التطوير في الطرح لم يصل للمستوى المأمول. حينذاك أخذتُ المبادرة في إدراج مواضيع هادفة وبناءة، وطرحتُ نداء إعادة تقييم مشاركات أصحاب الطاقات العلمية والفكرية والمهنية المجمدة، واحتضانهم عبر تبني فكرة إلقاء دروس ومحاضرات وندوات ترفع مستوى الوعي وتطرق أبواب الحلول؛ كلٌّ في تخصصه عبر قنوات رقمية أو ندوات حضورية.

جرد الحساب وخبرة الأعضاء

في علوم الهندسة القيمية، يُعقد في بداية أي مهمة عمل حصرٌ لخبرة الأعضاء المشاركين بالدراسة قبل البدء في تقييم المشروع والبدائل المطروحة؛ لضمان استحصال أفضل خيار وأكفأه اقتصادياً. وفي الوقت المعاصر، أضحى التقييم الهندسي «Value Engineering» جزءاً أساسياً لكل المشاريع قبل مرحلة التنفيذ؛ لإكمال حلقة إمعان النظر في كل البدائل المتاحة وأقل التكاليف وأسرع الطرق للإنجاز. أعتقد أنه حان وقت جرد حساب الكفاءات داخل كل مجموعة رقمية واستنباط طرق الاستفادة منها في تعميق الطرح والنقاش والحلول.

ديوانية افتراضية وخبرات مهملة

قبل عدة أعوام كانت الإمكانيات المتاحة في تطبيقات التواصل الاجتماعي محدودة بعدد الأعضاء، فبدأ العدد بألا يتجاوز 50 شخصاً، ثم لاحقاً تم التحسين ليضم 100 شخص، وحالياً قد يتجاوز 300 أو أكثر. حالياً، وبعد التمعن في مؤهلات الأعضاء لإحدى المجموعات التي تم إدراجي بها مجدداً، وجدت التالي:

• عضو يحمل خبرة أربعين عاماً في التدريس بالجامعات.

• عضو يحمل خبرة ثلاثين عاماً في إدارة المشاريع.

• عضو يحمل خبرة 34 عاماً في الهندسة الصناعية.

• عضو يحمل خبرة 35 عاماً في المصارف والبنوك.

• عضو يحمل خبرة في فنون البحوث العلمية والترجمة.

• عضو يحمل خبرة في صناعة هياكل المنشآت الحديدية تناهز 30 عاماً.

• عضو يحمل خبرة في إدارة السفر والسياحة تناهز 35 عاماً.

• عضو يحمل خبرة في التجارة وإدارة الأصول العقارية تناهز 25 عاماً.

• عضو يحمل كفاءات في مجال التقنيات والأمن السيبراني.

ما هي المحصلة المتوقعة مع وجود هكذا كوادر؟! ناديت وناشدت بضرورة توظيف هذه الخبرات المتقاعدة أو المتحفزة عبر عقد استضافات في المجالات الاقتصادية، العلمية، الطبية، التقنية، والأدبية. لقد شاءت إرادة البعض من النشيطين في الإرسال بالمجموعات تمضية الوقت في حوارات هامشية محصلتها الواقعية تلامس الصفر. السؤال: ما السبل الموجودة لتقويم الأمور؟!

طرح ومعالجة مواضيع ذات قيمة فعلية

إذا تم طرح ما معدله 4 إلى 6 مواضيع ذات طابع معرفي أو تربوي خلال السنة من قبل كل عضو، ستكون المحصلة غنية وتغطي كامل أيام السنة. في تصوري، هذا التفعيل يجعل الكل صانع محتوى وصاحب وعي. وأكرر نداءي بضرورة إطلاق الحوارات الهادفة مع ضبط الإيقاع وحسن استثمار أهل الخبرة في المجالات الحيوية، لا سيما الاقتصاد والمال والصحة والتربية.

مجموعات رقمية بعناصر مختلطة

تساءل أحد الأصدقاء: هل ”الجندر“ يميع جدية التفاعل في بعض المجموعات الافتراضية؟! من تجربة شخصية، وجدت أن بعض المجموعات يحدث فيها تميز، بينما في أخرى يختفي الجد ويحل محله ”التميلح“ المفرط الذي يعد عنصر قتل ويمحق الإنتاج ويفسد هدف المجموعة الأصلي. أتذكر أننا كنا في صرح ثقافي يضم قراءً مجدين، حتى أُدرجت عناصر نرجسية أدت إلى تصدع ذلك الصرح. إن انحياز الإدارة للتعاطف مع البعض في التساهل بطرح مواضيع تافهة أدى لتسرب تدريجي لكوادر علمية رصينة.

ضبط البوصلة

شخصياً أؤمن بأن خلق توازن في إدراج المحتوى الرقمي والبحث عن حلول للمعضلات سيؤدي لولادة بيئات رصينة مليئة بالود والمعرفة، وهذا ما يُساهم في استنبات روح المشاركة المثمرة في المجموعات والديوانيات.

ابدأ Just Strike It

أتمنى أن تكون الفكرة قد وصلت إلى أذهان القراء، وأن يباشروا تطبيقها لكي يحولوا جميعاً الديوانيات الرقمية إلى فضاء مثمر ونافع، وسعي دؤوب لتحويل حال المرء إلى أفضل حال بإذن الله.