آخر تحديث: 28 / 4 / 2026م - 1:55 م

شخابيط «2»

ياسين آل خليل

سوء الظن لا يبدأ من الخارج، لا من كلمةٍ قيلت، ولا من موقفٍ عابر، بل من الداخل، من مساحةٍ لم تلتئم تمامًا. من تجربةٍ قديمة لم تُفهم، أو خيبةٍ لم تُغفر، أو خذلانٍ بقي حاضرًا وإن غاب أصحابه. هناك، في هذا العمق الصامت، يتشكّل نمطٌ خفي يجعلنا لا نرى الأشياء كما هي، بل كما نخاف أن تكون.

ومع الوقت، لا نعود نُميّز بين الواقع وما نحمله في داخلنا. فنحن لا نفسّر تصرفات الآخرين بقدر ما نُسقط عليها ذاكرتنا. نسمع بنبرة الأمس، ونرى بقلقٍ قديم، ونحكم بناءً على ما لم نتمكن من نسيانه، لا على ما يحدث في الوقت الراهن.

هكذا، يصبح سوء الظن ليس مجرد خطأ في التقدير، بل امتدادًا لتجارب لم تجد طريقها إلى الفهم. فنستجيب، ظنًا منا أننا نحمي أنفسنا. لكن هذه الحماية تأتي بثمنٍ خفي، إذ نخسر بساطة العلاقات، ونُرهق أنفسنا بتأويلات لا تنتهي، ونعيش في حالة استعداد دائم للدفاع، حتى حين لا يستدعي الأمر ذلك.

الأصعب من ذلك كله، أن سوء الظن يمنح شعورًا زائفًا بالسيطرة. نظن أننا نقرأ ما بين السطور، ونفهم ما لا يُقال، بينما نحن، في كثير من الأحيان، نعيد كتابة النص بلغتنا نحن، ونُحمّله ما نشعر به، لا ما قيل فعلًا. فنصبح أسرى لتفسيراتنا، لا إلى الواقع.

في هذه العجالة أُطل عليكم مرة أخرى، ومن خلال شخابيطي المتواضعة، لأوضح لكم أحبتي أن الخروج من هذا النمط لا يكون بإنكار الإشارات الحقيقية، ولا بحسن الظن الساذج، بل بوعيٍ أدق وأصدق.. أن نُدرك أن ما نشعر به ليس دائمًا دليلًا صحيحا، وأن ما نفهمه ليس بالضرورة حقيقة. أن نفصل، قدر الإمكان، بين ما حدث، وما أضفناه إلى السردية الأصلية من تفسير وتأويل.

قد تبدأ هذه المراجعة بخطوة بسيطة، لكنها عميقة الأثر.. أن نتريث قبل الحكم، وأن نمنح الاحتمال مساحة، وأن نسأل أنفسنا بهدوء، هل هذا هو الواقع؟ أم أنه قراءة مشحونة بتجربةٍ قديمة..! عندها فقط، قد نستعيد شيئًا من اتزاننا، ونُعيد للعلاقات بساطتها، ونقترب أكثر من الطمأنينة، ذلك الشعور الذي يفتقده الكثير من الناس، ونحن منهم، في هذه الأيام.