آخر تحديث: 27 / 4 / 2026م - 7:35 م

مجالس بلا أنانية… قلوب تتسع للجميع

عبد الله صالح الخزعل

في المجالس، حيث تتلاقى الأرواح وتتشابك الأفكار، يطلّ علينا أحيانًا ذلك الشخص الذي لا يرى إلا نفسه، فيستأثر بالكلام كأن المجلس وُجد ليكون صدى صوته وحده. يقطع على الآخرين حديثهم، ويُقصي آراءهم، ويظن أن الحكمة لا تُثمر إلا إذا خرجت من بين شفتيه. غير أن هذا الاستئثار ليس قوة، بل ضعفٌ يتخفّى في ثوب الكِبر، إذ يقتل روح المشاركة ويحوّل المجلس من فضاءٍ للتبادل إلى مسرحٍ لشخص واحد.

إن الأنانية في الحديث صورة من صور الغرور الخفي، وقد قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب : ”من تكبّر وضعه الله، ومن تواضع رفعه الله“. فالمجالس لا تُزَيَّن بالمتحدث الواحد، بل تُزَيَّن بتواضع الجميع، حين يُصغي أحدهم للآخر، ويُفسح له المجال ليُعبّر. فالكلمة التي تُقال في جوٍّ من الإصغاء والاحترام، أعمق أثرًا وأبقى حضورًا من ألف كلمة تُلقى في فراغٍ من الاستعلاء.

ولعلّ الحل لهذه الظاهرة يبدأ من إدراك أن المجلس ليس ساحةً للغلبة، بل موطنًا للتآلف. على المتحدث أن يتذكّر أن الإصغاء فضيلة، وأن إعطاء الآخرين فرصة للكلام ليس خسارة، بل كسبٌ للقلوب والعقول. فحين يفتح الإنسان أذنه للآخر، يفتح قلبه أيضًا، ويُشعره بقيمته، فيرتفع هو في أعين الناس لا بكثرة كلامه، بل بصدق تواضعه.

كما أن على الحاضرين أن يواجهوا هذه الأنانية بلطفٍ وحكمة، فيعيدوا توزيع الأدوار بالكلمة الطيبة، ويذكّروا المستأثر أن المجلس للجميع، وأن الرأي لا يكتمل إلا بتعدد الأصوات. فالمجالس التي تُبنى على المشاركة تُثمر الحكمة، أما تلك التي تُختزل في صوتٍ واحد، فإنها تُنتج فراغًا مهما بدا ممتلئًا.

إن علاج هذه الظاهرة يكمن في التربية على التواضع، وغرس قيمة الإصغاء منذ الصغر، وتعليم الناس أن الكلمة أمانة، وأنها لا تُلقى لتُطفئ الآخرين، بل لتضيء الطريق معًا. فالمجالس لا تُخلّد بالاستئثار، بل بالإنصات الذي يفتح أبواب الحكمة، ويجعل من كل صوتٍ نغمةً في سيمفونية الجماعة.

وفي النهاية، يبقى المجلس مرآةً للأخلاق، فإن كان فيه أنانيٌ واحد، انكسرت صورته، وإن كان فيه متواضعون كُثر، أشرقت أنواره. ومن أراد أن يُسمع صوته، فليبدأ أولًا بسماع الآخرين، ومن أراد أن يرفع رأيه، فليضع نفسه موضع التواضع، فبذلك تُبنى المجالس على المحبة، وتُثمر الحكمة، وتبقى ذكرى الحديث فيها عطرًا لا يزول.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
ياسر عبدالوهاب بوصالح
[ الأحساء - السعودية ]: 27 / 4 / 2026م - 3:02 ص
يُقال في الفلسفة اليونانية القديمة إن الله جعل للإنسان أذنين ولسانًا واحدًا، ليُصغي أكثر مما يتكلم. ويذكر علماء الأخلاق أن الله سبحانه جعل للسان ثلاثة سجون: الشفتين سجنًا أول، والأسنان سجنًا ثانيًا، وإطباق الفم سجنًا ثالثًا منيعًا، ومع ذلك يأبى هذا اللسان إلا أن ينفلت من عقاله، فيتسيّد المجالس ويجسّد الأنا في نفس صاحبه.

ولهذا كانت المجالس في حقيقتها مدارس لمن أحسن الإفادة منها؛ فكلما كان الإنسان مستمعًا جيّدًا، أُتيح له أن يسبح في عقول الآخرين، وأن يقتل شيئًا من تلك الأنا المتضخّمة في داخله.

هذا، وكل الشكر الجزيل للأستاذ عبدالله الخزعل على مقالته القيّمة