آخر تحديث: 26 / 4 / 2026م - 3:19 م

شرف السعي وصدق الحنين

ياسر بوصالح

”شيل الكذا على الراس… ولا الحاجة للناس.“

”مكان تُرزَق فيه، اللزق فيه.“

”شَلّك في البحر وأهواله؟ رزق الله على السيف!“

ثلاثة أمثال خليجية تتناول مسألة الرزق، ولكن من زوايا متباينة، كأننا أمام ثلاثة أطباء عيون، لكلٍّ منهم تخصصه؛ فهذا يعتني بالقرنيّة، وذاك يحدّق في الشبكيّة، وثالث يتتبّع القناة الدمعيّة!

فالمثل الأول يدور حول الكرامة الشخصية، والاستغناء عن الناس ولو بأبسط مهنة؛ وهي قيمة راسخة درج عليها آباؤنا قبل زمن النفط، حين لم يكن «البرستيج» حاجزًا أمام الكسب الشريف.

أما الثاني، فيحمل دعوة إلى الرضا بالغربة والاستقرار فيها، إذا اقتضى الأمر، ما دام الرزق متاحًا، بينما يُحذّر الثالث من ركوب الأخطار والمغامرات غير المحسوبة في طلب الرزق، ما دام الممكن حاضرًا على الشاطئ، ولو دون المُرتجى.

الرزق، إذًا، لا تُحدّده صيغة واحدة، بل تتعدد حوله الأمثال، كما تتعدد زوايا الرؤية في العين الواحدة، فما يبدو كرمًا عند أحدهم، قد يُعدّ تفريطًا عند آخر، وما يراه البعض مغامرة محمودة، قد يراه غيرهم تهوّرًا لا تُحمد عقباه.

وبين «شِلْ الكذا على الراس» و«رزق الله على السيف» تظلّ الأمثال الشعبية مرآةً صادقة للعقل الجمعي، تنطق باسمه وإن غاب، وتعبّر عن حكمته، وإن جاءت في قالب ساخر.

ولو عُرضت هذه الأمثال على من هم معدن الحكمة وفصل الخطاب ، فهل نجد لها تأصيلًا؟

الجواب، إلى حدٍّ ما: نعم.

فأصول الحكمة تتقاطع مع فطرة الناس، وإن اختلفت الألفاظ وتنوعت الأساليب.

في المثل الأول:

”شيل الكذا على الراس… ولا الحاجة للناس.“

تتجلّى روحه في موقف الإمام الصادق ، حين رآه عبد الأعلى مولى آل سام في يومٍ صائف شديد، فاستغرب جهد الإمام في طلب المعاش، فقال له:

”يا ابن رسول الله، حالك عند الله، وقرابتك من النبي ﷺ، وأنت تجهد نفسك في مثل هذا اليوم!“

فقال :

”يا عبد الأعلى، خرجت في طلب الرزق لأستغني عن مثلك“ [1] .

وفي المثل الثاني:

”مكان تُرزَق فيه، اللزق فيه.“

نجد صدى ذلك في قول أمير المؤمنين :

”الغنى في الغربة وطن، والفقر في الوطن غربة“،

وفيه إقرار بأن الرزق يصنع الاستقرار، ولو في أرض بعيدة.

أما الثالث:

”شَلّك في البحر وأهواله؟ رزق الله على السيف!“

فقد لا ينسجم تمامًا مع تراث أهل البيت الذي يحثّ على السعي، ويفتح أفق الترحال إن كان فيه خير. يقول الإمام علي :

”من ضيق العطن، لزوم الوطن“ [2] .

والعطن هو موضع الإقامة؛ أي أن من ضاق صدره وهمّته، لزم مكانه لا حبًّا، بل عجزًا.

وقد يكون هذا المعنى ما ألهم الإمام الشافعي في أبياته الخالدة:

ما في المقامِ لذي عقلٍ وذي أدبِ
من راحةٍ فدعِ الأوطان واغتربِ

سافر تجد عوضًا عمّن تفارقهُ
وانصبْ فإنَّ لذيذَ العيشِ في النَّصَبِ

إني رأيتُ وقوفَ الماء يفسدهُ
إنْ سال طابَ، وإن لم يجرِ لم يطبِ

والأسدُ لولا فراقُ الأرض ما افترست
والسهمُ لولا فراقُ القوسِ لم يُصبِ

وهكذا، من لسان العوام إلى أفئدة الأئمة ، نجد أن الرزق ليس مجرد لقمة، بل موقف وجودي تتقاطع فيه الكرامة، والرضا، والشجاعة، والبصيرة.

وبالمناسبة، بينما نجد تأكيد الأئمة على طلب الرزق أينما وُجد، نجد في المقابل أيضًا حسًّا رقيقًا نحو الوطن، واعترافًا بأن الحنين والانتماء من علامات الأصالة.

قال الإمام علي :

”من كرم المرء: بكاؤه على ما مضى من زمانه، وحنينه إلى أوطانه، وحفظه قديم إخوانه“ [3] .

فليس المغترب مَن نسي، ولا المقيم مَن بقي، بل الكريم هو الذي جمع بين شرف السعي وصدق الحنين.

[1]  الكافي، ج 5، ص 74.

[2]  غرر الحكم ودرر الكلم - الآمدي، ص 672.

[3]  بحار الأنوار، ج 71، ص 264.
التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
عبدالله صالح الخزعل
26 / 4 / 2026م - 1:38 م
الأستاذ العزيز ياسر ..

مقالك يبرق كعينٍ تتعدد زوايا النظر فيها .. فيجمع بين المثل الشعبي والحكمة الموروثة والشعر الخالد في نسيج واحد. لقد أبرزتَ الكرامة في طلب الرزق .. والرضا بالغربة إذا كان فيها غنى .. والموازنة بين المغامرة والحذر .. ثم ختمت بلمسة إنسانية رقيقة عن الحنين إلى الوطن.

مقالك هذا ليس مجرد تحليل للأمثال .. بل هو رحلة فكرية تربط الشعبي بالديني والأدبي .. وتكشف أن الرزق موقف وجودي تتقاطع فيه الكرامة والرضا والشجاعة والحنين. لقد جعلت من الأمثال مرآةً للعقل الجمعي .. ومن الحكمة تراثًا حيًّا .. ومن الشعر نافذةً على الفلسفة.

إنه مقال يليق بأن يُقرأ لا كشرح .. بل كإشراقة.