آخر تحديث: 26 / 4 / 2026م - 3:19 م

حياة أخرى

رائدة السبع * صحيفة اليوم

لماذا يغادر بعض الممثلين المشهد مع آخر لقطة... بينما يبقى آخرون يواصلون إعادة تشكيلنا من جديد؟

حتى حين يغادرون، لا يبدو الأمر كخاتمة، بل كأن الكاميرا لم تُطفأ بعد... وكأن في مكانٍ ما هناك مشهد آخر يُحضَّر لهم بصمت، تلك الجلبة التي تسبق بداية عملٍ جديد... لا نهاية دور.

”أنا قماشة... أنا سيدة هذا البيت“

لم تكن مجرد أغنية افتتاحية في ”خالتي قماشة“، بل كانت إعلانًا خفيًا لدخول عالم لا يُشاهَد من الخارج فقط، بل يُعاد ترتيبه داخل من يراه دون أن ينتبه.

الفن غالبًا يطلب انتباهك، أما الرائعة الراحلة حياة الفهد... فكانت تعيدك إلى نفسك. تجعل تفاصيلك اليومية—العائلة، التعب، الحب، الخلاف—تبدو قابلةً للاحتمال، بل قابلةً لأن تُعاش بكرامة وشيءٍ من البهجة.

لكن المشكلة أنها لم تُبهجنا فقط... بل أعادت برمجة علاقتنا بالحياة حتى لا تبدو قاسية كما هي، وجعلت الحياة تبدو أخفّ مما هي فعلًا... ثم تركتنا نكتشف الحقيقة وحدنا.

وفي هذا المعنى، يقول جوردجييف:

”الإنسان لا يملك أنا واحدة، بل حشدًا من الأنوات... وعندما يدق أحدهم باب بيتك، تفتح الباب أنا من أنواتك المتعددة، زاعمةً أنها سيدة البيت.“

كأن بعض الشخصيات لا تمرّ علينا، بل توقظ واحدةً من هذه الأنوات دون أن ننتبه.

ما قدّمته لم يكن تمثيلًا بقدر ما كان تقليلًا فعليًا لثقل الحياة اليومية. أدوارها لم تُنسَ لأنها جميلة فقط، بل لأنها أدّت وظيفةً نادرة: خفّفت شيئًا حقيقيًا في الناس.

وربما لهذا السبب تحديدًا... نحن مدينون لها أكثر مما نظن. لأنها لم تكتفِ بأن تُخفّف عنا، بل رفعت سقف ما يجب أن نكون عليه.

لم تكن البهجة عندها ضحكًا عابرًا، بل موقفًا واضحًا من الحياة: يمكن أن تكون ثقيلة... لكن ليس بالضرورة أن تكون قاسية بالكامل.

السؤال بعد رحيلها ليس كيف نرثيها، بل ماذا سنفعل بكل هذا الفرح الذي تركته لنا، ونحن لم نتعلّم بعد كيف نصنعه؟

بوصفي باحثةً في البهجة، لا أتعامل مع ما تركته كأثرٍ عاطفي فقط، بل كدليلٍ حيّ على أن الفرح مهارة يمكن أن تُمارس، لا حالة ننتظرها؛ وأن من ينجح في إعادة تشكيل إحساسنا بالحياة لا يمرّ مرورًا عابرًا، بل يتركنا أمام مسؤولية: أن نكون، ولو بقدرٍ بسيط، امتدادًا لهذا الأثر.