آخر تحديث: 25 / 4 / 2026م - 2:17 م

مدح زائف… سخرية مقنّعة «3»

ورد عن أمير المؤمنين : «مادِحك بما ليس فيك مُستهزِئ بك» [غرر الحكم ج 1 ص 442].

يقدّم لنا الإمام في هذه التحفة السنية رؤية متوازنة ومعمّقة تظهر فحوى وآثار وطريقة التعامل الواقعي الهادف مع مسألة المدح، وذلك بأن يكون الباعث الذي يحرّك النفس واللسان لإطلاق ثناء لأحد هو أن يكون مبنيًا على الاستحقاق والإنجاز والحث على العمل المثابر والتشجيع على المشاركة في إبداء التصورات والآراء المثمرة، وهذا يعني الابتعاد عن دائرة المبالغة والتكلّف وطرق باب الثناء الزائف، بل المدح الإيجابي يكون وسيلة إلى تعزيز روح العمل وصنع الخير والتشجيع على التحلّي بالأخلاق الحميدة واكتساب الفضائل.

المدح الصادق يتعامل مع واقع يعكسه بنحو نظرة امتنان وتقدير أو كلمات ثناء يستحق التقدير والإشادة به، بينما المدح الزائف ينطلق من تضخيم الأمور والإشارة إلى صفات لا تمت للواقع بصلة ولا تجذر لها في نفس الشخص الممدوح، وهذا التباين بين المساحتين الواقعية والزائفة يبرز من خلال مبدأ الهدفية والمنطلَق لذلك الثناء، حيث يهدف المدح الواقعي إلى الإسهام في عملية البناء والتقدّم والعمل بينما المدح الزائف ينطلق من زاوية المصالح الضيقة والمآرب الخاصة «الانتهازية»، فالمدح الواقعي له إسهاماته في بناء العلاقات الاجتماعية وإرسائها على قواعد الاحترام والثقة بين الأفراد، فالتقدير يرتبط بمدى ما يقدّمه الفرد من أفكار أو إسهامات أو خطوات تندرج تحت إطار الجهد والمثابرة، ومن جهة أخرى فإن الاعتدال في المدح يُحافظ على توازن النفس الإنسانية، فالإفراط في الثناء قد يُفسد صاحبه ويزرع فيه تضخم الذات والغرور، وفي المقابل فإن التفريط فيه «الشح والبخل الوجداني» قد يُحبطه ويُضعف دافعيته، لذلك فإن نهج التوازن الواقعي يقوم على إعطاء كل إنسان حقه بناء على ما يقدّمه ويسهم فيه.

وهذا ما يطرح مفهوم الكفاءة كمبدأ وخيار في التفاضل والمكانات المعرفية والثقافية والاجتماعية بعيدًا عن التملّق والمجاملات والكلمات السرابية، حيث أن الواقعية في المدح وكلمات الثناء تسهم في تقدم ورقي أفراد المجتمع وتعمل على تحفيزهم نحو تنمية القدرات والانخراط في ميدان تطوير الذات.

ولم يطلق الإمام على المدح الزائف صفة الكذب وفقدان الرصيد على أرض الواقع فقط، بل وصفه بالاستهزاء وذلك في إشارة إلى أن أثره ونتائجه تصل إلى مستوى الإهانة والانتقاص، إذ أن المادح بتقديمه لوصفة زائفة كأنما يضحك في دواخله وإن تكلّم بما ينطوي على الإعجاب والتقدير.

والخلاصة أن المدح الحقيقي والثناء المبني على مواقف تستحق التنويه والإشادة، ينبئ عن صفاء النفس وسيرها بميزان الحقيقة بعيدا عن المنفعية والانتهازية، فيعكس رؤية واعية تُنزل الآخرين منازلهم الواقعية دون إفراط أو تفريط، وهكذا تُبنى النفوس على ميزان العدل في الحقوق المعنوية وإنصاف الآخرين وتجنّب الانحراف نحو المبالغة التي تُفسد القيم وتُشوّه الحقائق، فالكلمة الزائفة تخرج عن مسار التشجيع والدفع نحو الأمام وحثّ الخُطى نحو الإنجاز؛ لتتحوّل حينئذ إلى محطات سراب لا يمكن التعويل والاعتماد عليها، واستهزاء باطني يسقط الآخرين في وهم التكامل والرقي.