حين يصبح «التوفير» مكلفا..
في الجدل الدائر اليوم حول اتساع الأدوار الإدارية في القطاع الصحي، يكون السؤال الأهم: هل الخلل في وجود الإداري أصلًا، أم في غياب النموذج الذي يربط القرار الإداري بالنتيجة السريرية؟ هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يشغل صانع القرار؛ لأن القطاع الصحي ليس مجرد مؤسسة تشغيلية، بل بيئة عالية الحساسية، قد يتحول فيها قرار شراء، أو توظيف، أو توزيع كوادر، إلى أثر مباشر على سلامة المريض، وسمعة المنشأة، وكلفة النظام الصحي بأكمله. وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو مريض واحد من كل عشرة يتعرض لضرر أثناء الرعاية الصحية، وأن أكثر من نصف هذا الضرر يمكن الوقاية منه، كما أن الضرر في الرعاية الأولية والعيادات الخارجية ليس هامشيًا، بل قد يصل إلى 4 من كل 10 مرضى في بعض التقديرات.
المشكلة ليست في أن الإداري «لا يفهم الطب» بإطلاق عام، ولا في أن الطبيب وحده مؤهل لاتخاذ كل قرار، بل في أن بعض القرارات تُدار بمنطق مالي ضيق يركز على السعر المباشر، ويتجاهل الكلفة الكاملة عبر رحلة المريض. وهنا يظهر مفهوم معروف في اقتصاديات الصحة، وهو التوفير الوهمي؛ أي أن تخفض الإنفاق في بند ظاهر، ثم تدفع لاحقًا أضعافه في مضاعفات، وإعادة إدخال، وأخطاء، وتأخير علاج، وشكاوى، وتعويضات. وقدّرت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن التكلفة المباشرة للرعاية غير الآمنة في الدول المتقدمة تقترب من 13% من الإنفاق الصحي، وأن الأثر الاقتصادي الكلي يتجاوز تريليون دولار سنويًا عالميًا. الرسالة هنا ليست أخلاقية فقط، بل مالية أيضًا: الرعاية غير الآمنة ليست مجرد فشل مهني، بل نموذج إنفاق غير رشيد.
ولذلك، حين نناقش جودة التوظيف، أو سياسات الاستقدام، أو قرارات التوريد، يجب أن نتوقف عن قياس النجاح بمعيار «من هو الأوفر؟»، وأن نبدأ بالسؤال الأصح: «من هو الأقدر على تقديم رعاية آمنة، فعالة، قابلة للاستدامة؟». تؤكد منظمة الصحة العالمية أن الأجهزة والمنتجات الطبية يجب أن تكون آمنة وفعالة وعالية الجودة ضمن نظام صحي متين، وأن الحوكمة الرشيدة لسلسلة القيمة ليست تفصيلًا إداريًا، بل جزء من حماية المرضى والعاملين. كما أن الأدبيات الحديثة حول المشتريات الصحية تشير بوضوح إلى أن التركيز على احتواء التكلفة فقط، مع تهميش اعتبارات الجودة والنتائج السريرية، يُنتج قرارات تبدو ناجحة على الورق، لكنها أضعف أداءً في الواقع.
لدينا أمثلة واقعية تشرح هذا الخلل ببساطة أشد من أي تنظير. في إحدى تجارب التنويم بمستشفى خاص، كانت المريضة مسنة ولا تتحدث الإنجليزية، بينما الطاقم في المناوبة الليلية لا يملك لغة مشتركة معها. هنا لا نتحدث عن «تفصيل تواصلي»، بل عن خطر على سلامة المرضى.
من هنا، لا يمكن اختزال المشهد في معادلة «إداري مقابل طبيب». القضية ليست إقصاء الإداريين، بل إنهاء الإدارة المعزولة عن المعرفة السريرية. وليست أيضًا منح القرار كله للطبيب، بل بناء حوكمة تفرض أن تكون قرارات التوظيف، والتشغيل، والتوريد مبنية على مشاركة وتكامل بين التشغيل، والمالية، والجودة، وسلامة المرضى، والفرق السريرية. وتقول الأدلة الاقتصادية في سلامة المرضى بوضوح إن أثر الخطأ غالبًا لا يظهر في نفس النقطة التي وقع فيها القرار، بل لاحقًا على امتداد رحلة المريض؛ ولهذا تبدو بعض القرارات «رشيدة» في لحظة اعتمادها، ثم تتكشف كلفتها لاحقًا في الطوارئ، والتنويم، والشكاوى، والتعويضات.
ختاماً..
التوفير ليس دائمًا الأقل كلفة، والأسرع ليس دائمًا الأكفأ، والنجاح في المرحلة المقبلة ليس في خفض بند هنا أو هناك، بل في بناء قرار صحي يرى الصورة الكاملة: سلامة المريض، كفاءة الكادر، جودة المنتج، والكلفة الكلية عبر الزمن.











