آخر تحديث: 23 / 4 / 2026م - 3:00 م

سقراط

هناء العوامي *

- عليك أن تأخذ معك بعض الطحين.

- طحين؟

- نعم، بالضبط ما سمعته يا أديمانتوس.

قال له سيلياس مبتسمًا ابتسامة

متفهمة، لكن ساخرة قليلًا..

قبل أن يكمل: وإلا فإن السيدة سقراط لن تدخلك بيتها، ستقول إنه ليس في الدار، مع أن الجميع يعلم بأنه لا مكان آخر يمكن أن يكون المعلم فيه.

- كنت.. كنت أنوي أن أحضر لها بعض الأزهار…

ضحك صديقه حتى دمعت عيناه،

ثم قال: نعم، هذا كفيل بأن يحضر التلاميذ جميعهم للفرجة على الإحراج الذي سوف تتعرض له، سيلقون النكات حول المشهد على الأقل لأسبوعين.

- حسنًا، طحين، ليكن! قال متأففًا.

لكن هذا لا يبدو لي احترامًا لائقًا بمعلم بمكانته، إنها أول مرة أزور فيها بيت الأستاذ، وأريد أن أعطي انطباعًا حسنًا…

- لا أحد يعطي انطباعًا حسنًا في حضور المعلم سقراط.. بالذات في يومه الأول.. حسنًا، لِفافة من الكتان إذن، أو الحرير، أي شيء يمكن استخدامه في المنزل.. هذا أفضل حتى من الطحين أو الفواكه، فستنشغل السيدة سقراط بخياطته وتدعنا وشأننا..

بالأمس سمعت الأستاذ عَرَضاً يسأل برديموس أن يُعَرِّف الشرف فقالت بصوت عال سمعناه جميعًا:

الشرف هو أن تعمل لتطعم أطفالك، لا أن تعيش على هِبات التلاميذ الصغار.

عرّف الشرف..

عرّف الشجاعة..

عرّف الوطن..

في كل الأحوال حاول ألّا تتحمس كثيرًا، كل ما يبدو لك بديهيًا سيجعلك المعلم تعيد التفكير فيه، سيبدو لك الدرس في بدايته سهلًا حد السذاجة، ومهما كنت معجبًا بثقافتك واجاباتِك، ومهما حسبتها مثالية مكتملة حكيمة، سيرد على لسانك مفردات تحسبها بدهيات مفروغًا منها، سوف يسألك المعلم أن تعرف له معنى هذه الكلمة منها أو تلك، والتي تستعملها بتلك البساطة!

يتساوى ابن الفلاح الذي لم يتلقَّ تعليمًا من قبل، مع أبناء الأغنياء الذين تلقوا أعلى تعليم ممكن في أثينا.

لا تتسرع أبدًا في الإجابة، فكّر.. وإن شعرت بأنه لا وجود لما يمكن التفكير فيه، فتصنع التفكير، وربما ترد فعلًا في ذهنك فكرة ما تثير إعجاب المعلم، وصدقني، إن حدث ذلك فستكون لحظة فخر لن تنساها..

- أنا أصلًا ذاهب لأعرف لِمَ تستمرون جميعًا في الذهاب إليه؟ رغم أن الجميع يتكلم عن إحراجه لتلامذته، وعن أن مدرسته تقريبًا غير معترف بها..

بل يقال إن عددكم يزداد كل يوم حتى لم تعد يوجد باحة منزله الصغير الداخلية ولا الخارجية تسعكم، ولم يعد يوجد مكان للجلوس، فأصبحت المناقشات تتم بينما تتمشون في الأروقة المجاورة.

- فضولك في محله يا صديقي، أعرف أنك سوف تتأنق لتترك انطباعًا حسنًا، لكن لا تنشغل بذلك حتى تنسى إحضار بعض الخبز، أو العسل، أو الحليب، نحن نسرق من السيدة سقراط زوجها لبعض الوقت وهذا دين يجب أن يرد.

ألا يمكنني دعوته ليشرفنا للعشاء في منزلي؟

ابتسم صديقه للفكرة.

ربما.. في العام الماضي، ولكن الآن أصبح عدد تلامذته لا يسمح، خاصة والدعوة في منزل المعلم المتواضع مفتوحة، في أي يوم قد يأتي عشرة طلاب أو خمسون. كما أنه ليس من المتوقع أن يستجيب لدعوة تلميذ لم يقابله أو يدرسه من قبل. فضلًا عن ذلك اتهمه بعض الآباء بأنه يفسد عقول الشباب، وهكذا أصبح يفضل أن يأتي الطالب له لا العكس، وألّا يحتك بآبائهم.

في اليوم التالي التقى سيلياس وأديمانتوس عند تمثال أثينة في الساحة الكبرى ليذهبا معًا إلى منزل المعلم..

سيلياس بدهشة: طحين؟ من جدك؟

أديمانتوس: هذا ما أشرت به علي! أنت قلت لي أن…

سيلياس: يا للآلهة، أنا كنت أعطيك مثالًا فقط يا أديمانتوس! ألا تخجل وأنت تلميذ جديد وذاهب بهذه الملابس الفاخرة ألا تقدّم أكثر من كيس صغير من الطحين؟

احمرّ وجه التلميذ الجديد خجلًا فأصبح يليق أكثر بملابسه الفاخرة وتلعثم قائلًا: ربما يمكنني أن.. ربما.. السوق.. بيتنا.. إذا غيرنا الطريق فربما.. لدي بعض الفضة…

تحسّس حزامه وثنيات ردائه الثقيل وهو يقول الجملة الأخيرة. بينما كان يشده على جسمه أكثر وكأنه شعر فجأة بالبرد.

تأمله سيلياس صامتًا وهو يلف رداءه أمام الريح كمحارب يحتمي بدرعه، وكأن الريح تحاول كشف سذاجته في اختيار كيس طحين بدلًا من الحرير أو النبيذ المعتق.

قبل أن يدفعه من ظهره برفق قائلًا، فلنذهب إلى بيت المعلم، لا تقلق، غالبًا لن ينتبه أحد لما أحضرته معك، طالما أنك أحضرت شيئًا ما، حين نصل ضعه في أي مكان دون أن تقول شيئًا، وكأنك تضعه في منزلك أنت. صدقني، مهما أحرجك المعلم بأسئلته، ستخرج من بيته شاعرًا بأنك فهمت كل شيء أخيرًا..

ستحب الدرس أكثر من التدريب العسكري الإلزامي.

توقف أديمانتوس عن المشي وبرزت عضلات ذراعه اليمنى المكشوفة وهو يقول بصرامة: أنا أحب التدريب العسكري الإلزامي.

لهجته الجادة جعلت سيلياس يشعر بالقليل من الرهبة. ما جعله يضحك مازحًا: الجميع يحسدك على حظك السعيد مع السيف والفلسفة يا صديقي.

أكمل أديمانتوس سيره وهو يأخذ شهيقًا عميقًا، فرد عليه سيلياس بشهيق مماثل.

كان الهواء باردًا رطبًا له رائحة خشب الزيتون المحترق والتين المجفف، بينما لم يتكلم أحد لبرهة لم تكن بالقصيرة سوى أوراق الشجر الجافة التي تكسرت تحت أقدام التلميذين النجيبين.

وذلك قبل أن يرى سيلياس أقاثون وميدون يلحق بهما بضع خطوات من الخلف وهو يعرج

قليلًا، أنيطوس أقدم تلامذة سقراط ممن يعرفهم، فيصيح بهم من بعيد رافعًا ذراعه غير المدثرة: أخطأتم الاتجاه يا رفاق! بيت سقراط في الاتجاه المقابل!

أشار أقاثون إلى أنيطوس الذي لحق به لتوه وهو يسير بوقار يتعارض مع عرجه صامتًا، لكنه ذلك النوع من الصمت الذي تشعر بأنه أبلغ من الكلام وهو يقول: ”معنا خير من يعرف سقراط ومكان سقراط!“

ثم ضحك بصخب بدا أن الأرض ارتجت له.

وقال ميدون: ابتهجوا!

التم الشمل، فوضع أقاثون يده على كتف سيلياس قائلًا: إنه ليس في بيته!

سيلياس: …..!؟

ميدون: لقد وقعت القرعة عليه هذا الصباح!

شبك سيلياس عشر أصابع على رأسه وهو يصيح: ”معلمنا الفيلسوف سيكون حاكم أثينا اليوم؟“، قبل أن يرفع كفيه من على رأسه بسرعة لسان ضفدع يلتقط حشرة ما من الهواء ليثبت رداءه حول كتفه وخصره..

”وهل قبِل؟ هكذا ببساطة وافق وحسب؟“.

أكمل سيلياس.

نظر إليه أديمانتوس بدهشة، لأول مرة على الإطلاق يرى صديقه مضطربًا، صديقه الذي كان دائمًا ثابت الجنان ساخرًا يثير الاضطراب حوله بينما هو ثابت كجبل.

قال أنيطوس وهو ينظر إلى أديمانتوس الذي كان يقف حائرًا يحاول استيعاب الموقف: لم تقدم لنا صديقك الجديد.

يبدو أن أديمانتوس استعاد الكثير من ثقته بنفسه بما أنه أدرك بأنه لن يقابل المعلم الكبير اليوم فصافح أنيطوس بقبضة قوية قائلًا: اسمي أديمانتوس.

ثم سكتا محاولين الاستماع إلى أي شيء مفهوم من صخب الرجال الثلاثة الآخرين.

سمع أديمانتوس سيلياس يقول: يا رجال!

وسمع أنيطوس ميدون يقول: لا نعرف إن كان هذا من حسن حظنا أم من سوءه!

وسمع أديمانتوس أقاثون يقول: لن يعجبه ذلك البتة!

وسمع شخص منهم شخصًا آخر يقول: لا بد أن الأقورا تسخر منا!

وحتى بعد أن بدأ ضجيجهم يهدأ قليلًا لم يعرف أديمانتوس من منهم من قال: إنه في الثولوس الآن…

ثم هدأ الصخب، وبدا أن الخمسة لم يعد لديهم ما يقال، قبل أن ينضم أربعة تلاميذ آخرين للمجموعة، ثم اثنين غيرهما، ثم تفرق نصف الجمع بينما بقي الآخرون يتدارسون فيما بينهم دروس سقراط الأخيرة أثناء مشيهم بين أشجار الخريف الذهبية والكهرمانية.

قال زينوس: في الحقيقة إن وقوع القرعة على المعلم هو جوهر العدالة الإلهية.

قال ميلوس: عرّف العدالة.

قال سيلياس بثقة وقد هدأ روعه فجأة: عرِّف الجوهر..

وبدا أن زينوس أدرك الورطة التي أوقع نفسه فيها فقال بلهجة دفاعية: تعرفون أكثر مني أن المعلم هو خير من يلعب هذا الدور وإن كان لا يحبه.

قال ميدون ساخرًا: لا أعتقد أن الحب هو التعبير الصحيح..

- لعل الآلهة تعينه..

قال زينوس مستسلمًا.

”إله..“ رد عليه ميدون، وقد بدا مستمتعًا ”بالمناقرة“ معه.

”المعلم يعتقد بأنه لا يوجد سوى إله واحد“.

بدت الدهشة وعدم الارتياح على أديمانتوس عند سماعه ذلك خاصة بعد تأييد مزيد من القوم لتلك الفكرة فاستأذن منصرفًا..

بينما استمر الشباب في الجدال البناء..

لكن تلك المناقشات أخذت منحى مختلفًا تمامًا حين انضم شخص بعينه.. شخص كان أكثرهم طرحًا للأسئلة.. وأكثرهم إثارة للجدل.

كان اسمه أفلاطون.

كاتبة سعودية تميل في أعمالها إلى المزج بين البعد الإنساني والتساؤلات الفكرية. تنوّعت كتاباتها بين الخيال العلمي، والرواية التاريخية، والنصوص الاجتماعية، إضافة إلى قصص تناولت القضية الفلسطينية، ومجموعة شعرية.

تتسم أعمالها بمراقبة الإنسان في لحظاته الحرجة، وبالأسئلة المتعلقة بالهوية، والذاكرة، والمصير.

وبالاهتمام بالمساحات الرمادية بين الواقع والخيال.