منشغل بالآخر
هي دعوة قرآنية تلك التي تدعو إلى الكد والاجتهاد إلى أقصى ما يمكن في خطابها لسيد المرسلين وقدوتهم صلّى الله عليه وآله الطاهرين، حيث قال: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: 7-8]. فمع ما عليه النبي الأعظم ﷺ، فإن الناس لا تعي عمق تلك الذات المقدسة؛ فأتى القرآن الكريم ليجلي هذه الصفات المقدسة فيه - فداه نفوس العالمين - فهو القدوة العظمى لكل ذرّات الوجود. يقول العلامة الطباطبائي - رضوان الله عليه وقدّس سرّه الشريف - في تفسير هذه الآية الشريفة: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ خطاب للنبي ﷺ متفرع على ما بُيِّن قبلُ من تحميله الرسالة والدعوة، ومنّه تعالى عليه بما منّ من شرح الصدر ووضع الوزر ورفع الذكر، وكل ذلك من اليسر بعد العسر.
وعليه فالمعنى: إذا كان العسر يأتي بعده اليسر، والأمر فيه إلى الله لا غير؛ فإذا فرغت مما فرض عليك فأتعب نفسك في الله - بعبادته ودعائه - وارغب فيه ليمن عليك بما لهذا التعب من الراحة، ولهذا العسر من اليسر.
وقيل: المراد إذا فرغت من الفرائض فانصب في النوافل، وقيل: إذا فرغت من الصلاة فانصب في الدعاء، وما يتضمنه القولان بعض المصاديق.
وقيل: المعنى إذا فرغت من الغزو فاجتهد في العبادة، وقيل: المراد إذا فرغت من دنياك فانصب في آخرتك، وقيل غير ذلك، وهي وجوه ضعيفة" «تفسير الميزان».
نعم، الخطاب متوجه للرسول ﷺ وآله الطاهرين، ولكن علمنا علماؤنا أنه قدوة لنا ”كلٌّ بحجم إنائه“. ففي مرحلة الاقتداء بالنسبة لنا؛ من البديهي أن يكون إجهاد النفس بالكد والعمل في حدود الشرع ”بين وجوبٍ واستحبابٍ وحرمةٍ وكراهةٍ“؛ بترك الحرام والحد من عدد المكروهات قدر استطاعتنا، وفعل الواجبات والتزود من المستحبات.
وعلى لسان القرآن الناطق يقتنص التبيان لذلك؛ ففي كلمات أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب - عليهما السلام - هناك روايات هي عين البلاغة، جمعت في كتاب ”غرر الحكم ودرر الكلم“ الذي يجب اقتناؤه إلى جانب الكتب الحديثية الأخرى من الكافي إلى ميزان الحكمة للأنس بها؛ فالأُنس في اللغة ”ضدّ الوحشة، وهو سكون النفس واطمئنانها إلى شيءٍ أو شخص“. وعن الإمام الحسن العسكري
: «من آنس بالله استوحش من الناس، وعلامة الأنس بالله الوحشة من الناس» [الكافي: ج 2]. فالقلب الذي يمتلئ أنسًا بالروايات المنسوبة لأهل البيت
؛ فهو يسير على الطريق المختصر للعلم والمعرفة، بل واقتناصُ الدرر التي لا توجد عند غيرهم، مع الاستعانة بالعلماء لفهم صحيح، إن صحَّ هذا الفهم.
عودًا على بدء - عن الدعوة للجد والاجتهاد في العمل - ورد في كتاب غرر الحكم ودرر الكلم عن أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب عليهما السلام: ”لَيْسَ لِلْعَاقِلِ أَنْ يَكُونَ شَاخِصًا إِلَّا فِي ثَلَاثٍ: حَظْوَةٍ فِي مَعَادٍ، أَوْ مَرَمَّةٍ لِمَعَاشٍ، أَوْ لَذَّةٍ فِي غَيْرِ مُحَرَّمٍ“. ففي الرواية العاقل هو المتبع لنور الشرع في الإيمان بالمعاد «عقائد»، والالتزامُ بأحكام الشرع «فقهيًا»، واتباع الخلق الكريم حتى في المباحات «أخلاقيًا»، إن صح هذا الفهم.
تبين مما مضى أن في هدي القرآن الكريم والنبي الأعظم وعترته الطاهرة - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - لا يسمح للفراغ أن يكون في ساحتنا، ولكن بعض الناس - للأسف - ليس لهم شغلٌ غيرُ الناس: «ماذا فعل فلان؟ وماذا قال فلان؟ ولماذا دخل في هذا المجال فلان؟ والمفروض ألا يقول فلان كذا وكذا»؛ فهذا الصنف من ”المنشغلين بالآخر“ عقولهم تقول لهم: كفى كفى، قبل غيرهم، وعندما ينزلون لحفرة البرزخ سيلقون دفاتر الغيبة وأمثالها.
لماذا توجد هذه الظاهرة؟
هناك أسباب متعددة قد تختلف من شخصٍ لآخر، وقد تجتمع عدة منها في شخص واحد، وأذكر هنا ما أظنه سببًا:
1. الجهل: السبب الأول، والأشد منه الجهل المركب؛ يجهل أهمية وقته والاستفادة منه. وفي الأدب الحديث صاغ ذلك أمير الشعراء أحمد شوقي تنبيهًا رائعًا في بيتيه الشهيرين:
دَقّاتُ قَلبِ المَرءِ قائِلَةٌ لَهُ … إِنَّ الحَياةَ دَقائِقٌ وَثَواني
فَاِرفَع لِنَفسِكَ بَعدَ مَوتِكَ ذِكرَها … فَالذِكرُ لِلإِنسانِ عمرٌ ثانٍ
فمن يجهل أن وقته أثمن ما لديه يضيعه فيما لا ينجيه.
2. عدم وضع رؤية واضحة وأهداف لتحقيق رؤيته التي يحب أن تكون منسجمة مع الدين في حق إلهه ونبيه والعترة ونفسه وعائلته وأسرته ومجتمعه إلى آخره.
3. عدم وضوح الرؤية؛ فقد يعي أهمية جميع ذلك، لكنه أضاع البوصلة.
ولعل لديك أسباب أخرى أيها القارئ الكريم؛ فليس الهدف الاستقصاء، وإنما ذكر نماذج.
مع أن وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها مليئة بما يفيد الإنسان لمدة سنوات، بل ما هو موجود فيها لا يحيط به - مرور الكرام - عمر أجيال وأجيال، وليس إنسانًا واحدًا. فمثلًا ”منصة اليوتيوب“ فقط، حيث يُنقل أنه يحتاج الواحد منا مليون سنةٍ لمتابعة كل ما فيها بحسب بعض الإحصائيات، إلا أن هناك من لا يستفيد منها سوى ما يخدم القسم الثالث في رواية أمير المؤمنين
: ”لَذَّةٍ فِي غَيْرِ مُحَرَّمٍ“.
نعم، العلم أو المعلومة الأكيدة 100% نأخذها ممن قدموه راسخين في العلم ”في أي علم كان“، خصوصًا أولئك الذين تخضبت لحاهم ونواصيهم بشيب سنوات الدراسة والمتابعة والخبرة العملية ومعالجة الأمور؛ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]. فهذه بصيرة قرآنية لعلها تنطبق على كل العلوم؛ فلكل علم أهل تخصص وتعمق فيه يفيدون الإنسانية.
هذه نصيحة من المهتمين بمجال تطوير الذات، التي يعرفها الجميع؛ لا بد للإنسان من:
• تخصص: يتخصص فيه دراسيًا ويعمل في مجالاته «وظيفيًا».
• اهتمام: أو قل هواية، يمكن أن تكون في فرع من فروع التخصص.
• تطوع: يستحسن أن يكون قريبًا من التخصص أو الاهتمام، ولو كان جميعها في نفس المجال سينتج هذا الشخصُ بنسبة عالية قد تصل إلى 100%.
هذا التخطيط والتنظيم يرفع من كفاءة حياة الإنسان في استثمار وقته؛ فحتى التطوع سيكون بأحسن صورة مشرقة وكفوءة.
همسة
يوم القيامة يُسمّى يوم الحسرة؛ فمن عمل يتحسّر: لِمَ لَمْ يعمل أكثر لعظيم الثواب الذي رآه، ومن لم يعمل يتحسر لماذا لم يعمل؛ ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: 39].











