رهبة المشهد وإحسان التطبيق
ثمة مشهدٌ يملؤني رعبًا كلما أورده خطباءُ المنبرِ الكرام في سيرة الإمام الصادق
؛ ذلك المشهد الذي يرويه أبو بصير حين دخل على أمّ حميدة يعزّيها بأبي عبد الله
.. بكت، فبكيتُ لبكائها، ثم قالت.. يا أبا محمد، لو رأيت أبا عبد الله
عند الموت لرأيت عجبًا! فقد فتح عينيه وقال.. اجمعوا لي كلّ من بيني وبينه قرابة، تقول.. فلم نترك أحدًا إلا جمعناه، فلما نظر إليهم قال «إنّ شفاعتنا لا تنال مستخفًّا بالصلاة» [1] .
إنّ وقوع هذا المشهد في اللحظات الأخيرة من حياة الإمام، وحضور أقربائه الذين ينتمون إلى الدوحة النبوية الطاهرة، يمنحان كلماته وقعًا استثنائيًا؛ فهي وصية مودّع، ورسالة خلاص موجّهة إلى من قد يظنّ أن النسب وحده يكفي، فالمعيار هو الصلاة، ومن يستخفّ بها يحرم من الشفاعة.
ويبقى السؤال الذي يفتح باب القلق والبحث هو ما حدود الاستخفاف بالصلاة؟
أهو تركها أصلًا؟ أم أداؤها على غير وجهها؟ أم تأخيرها عن وقتها؟ أم أداؤها بثوبٍ مسروق أو في مكانٍ مغصوب؟ أم أداؤها بروحٍ ريائية لا تنبع من صدق الوجدان؟ وهل يمتدّ الاستخفاف ليشمل من يؤديها أداءً صحيحًا في الظاهر، لكنه خالٍ من حضور القلب، أو من التفاعل مع رسالتها التي يفترض أن تهزّ الروح وتوقظ الضمير؟
إنّ إطلاق كلمة الاستخفاف في كتب الفقه يفتح بابًا واسعًا من التفصيل؛ فالفقهاء لا يتعاملون معها كلفظة عابرة، بل كعنوان جامع تتشعّب تحته صور ومراتب متداخلة، بعضها ظاهر وبعضها دقيق يحتاج إلى تأمل، وكلّها تعود إلى حقيقة واحدة.. أنّ الصلاة لم تعد في قلب صاحبها بالمهابة والمكانة التي أرادها الله لها.
وفي هذا السياق لفت نظري مؤخرًا مقطع لسماحة الشيخ علي الدهنين حفظه الله،
تحدّث فيه عن أهمية الاحتياط في العبادات، وضرب مثالًا بالمرجع الراحل السيد أبي القاسم الخوئي قدس سره، الذي أوصى بقضاء الصلاة عنه طوال عمره، رغم التزامه الشديد ودقته المعروفة، أقول: إذا كان السيد الخوئي، وهو من هو في سماء العلم والتقوى وزعامة المدرسة الإمامية، قد أوصى بذلك، فكيف بنا نحن؟
ومن هنا تبدو الوصية بقضاء الصلاة من أهم ما ينبغي أن نلتفت إليه، غير أنّ جوهر الفكرة لا يقف عند حدود الوصية، بل يتجاوزها إلى من ينبغي أن يُعهد إليه بأداء هذه الصلوات؛ فالأولى بها طلبة العلوم الدينية، ولا سيما محدودو الدخل منهم، وكذلك فقراء المجتمع، فهي من جهة أجرة عمل لا منّة فيها ولا صدقة، ومن جهة أخرى تدريبٌ عملي على أن يكونوا عناصر منتجة لا اتكالية، حتى في هذا القدر من العمل العبادي، فضلًا عمّا يتركه أداء الصلاة من أثرٍ تربوي وروحي يتغلغل في نفس مؤديها ويهذّبها.
لذلك، لعلّها دعوة رفيقة لمجتمعنا كي تتحوّل الوصية بقضاء الصلاة — التي اعتمدها السيد الخوئي قدس سره — إلى ثقافة واعية في وصايانا، تُذكّرنا بأن إحسان التطبيق لا يقلّ شأنًا عن رهبة المشهد.











