آخر تحديث: 19 / 4 / 2026م - 12:06 ص

بشير... رسالته لم تُقرأ

حسن علي عرقان

هناك عدة أسباب تجعلنا نتعجّل في إصدار الأحكام على الآخرين، وهذا ينطبق على بيئة المنزل أو بيئة العمل، خاصةً إذا اعتُمِدت رسائل الواتساب جهةً رسميةً في المراسلة.

دخل المكتب، على غير عادته، في وقتٍ متأخر من الصباح، بوجهٍ تبدو عليه آثار التعب والإجهاد، وكأنه سهر الليل بطوله. ألقى التحية ببرود، وكأنما يؤدي واجبًا لا رغبة فيه، دون أن يلتفت إلى زملائه.

جلس دون أن ينظر إلى أحد، ممسكًا بيده الجوال، وكأنه ينتظر مكالمة مهمة.

ساد المكتب صمتٌ غير مسبوق، وكأن زملاءه ينتظرون تفسيرًا لهذه الحالة، فبشير هو من يبعث الحيوية والمرح في المكان.

بعد لحظات، دخل المدير، وبدون مقدمات أو تحية، وجّه نظره مباشرة إلى بشير، متهجمًا عليه بسيلٍ من كلمات التعنيف:

لماذا هذا التأخير؟ كم الساعة الآن؟ ولماذا لم تتصل وتقدم عذرًا أو سببًا لهذا التأخير؟

واستمر المدير في توجيه الكلام اللاذع، بينما جلس الزملاء، كلٌّ في مكانه، في صمتٍ دون أن يلتفت أحد.

أما بشير، فكان مطأطئ الرأس، ممسكًا بجواله، وكأنه في عالمٍ آخر، لا يسمع ولا يرى ما حوله، وكأن الكلام لا يعنيه...

هنا اشتاط المدير غضبًا، وارتفع صوته قائلًا:

أنا أكلمك! لِمَ لا تنظر إليّ؟

تنهد بشير، ووضع جواله على الطاولة، وأدار وجهه نحو المدير. وما إن التقت عيناه بعيني المدير، حتى اندهش الأخير وصمت مما رآه، إذ لم يعتد أن يرى بشير على هذه الحالة طوال سنوات العمل: عينان منتفختان ومحمّرتان، ووجه شاحب، وكأن همّ الدنيا قد أثقل كاهله.

استرد المدير هدوءه، وبنبرةٍ تحولت من الهجوم إلى الاستنكار والاستفسار، قال:

ماذا بك يا بشير؟ هل أنت بخير؟

وبصوتٍ خافتٍ مبحوح، أجاب بشير:

لقد أرسلتُ لك رسالة عبر ”واتساب“ منذ الفجر، أخبرك فيها بأنني سأتأخر عن العمل بسبب مرض ابنتي، إذ كنت معها طوال الليل في المستشفى.

أمسك المدير جواله، وأخذ يقلب فيه، فوجد الرسالة. تنهد وزفر زفرة طويلة، وكأنها تخفف شيئًا من غضبه، الذي لو أنه تأنّى وتأكد من حال بشير، لما بلغ هذا الحد.

ثم نظر إلى بقية الموظفين، ليبدد التوتر، وبنبرةٍ هادئةٍ غير مسبوقة تحمل في طياتها اعتذارًا غير مباشر، قال:

هل هي بخير الآن؟

هزّ بشير رأسه، وهو يعض على شفتيه، ثم رفعه وقال:

الحمد لله، كانت أزمة طارئة وقد مرّت بخير. حالتها الآن مستقرة، وهي ترقد في المستشفى.

أدار المدير جسده نحو الباب، وكأنه يريد الخروج ومعه ما تبقى من التوتر الذي خيّم على بشير ورفاقه في المكتب، ثم أشار إلى بشير بأنه يمكنه الانصراف وأخذ إجازة ليستريح.

خرج المدير تاركًا خلفه صمتًا مختلفًا، صمتًا جعل الزملاء يتساءلون: لو أنك، أيها المدير، قرأت تلك الرسالة التي أرسلها بشير في وقت مبكر، لما كان هذا الحكم ولا هذا التهجّم عليه.

أما بشير، فبقي ينظر إلى جواله، ويتمعن في الرسالة التي وصلت متأخرة، وكأنه يقول: لماذا لم تصل؟

حينها أدرك الجميع أن بعض الأحكام تُقال بسرعة... ولكن الاعتذار حينها يكون صعبًا.