الأزمة المالية ليست نقص مال... بل خلل إدارة
ليس كل من يملك المال قادرًا على إدارته، وليس كل من يفتقر إليه عاجزًا عن توظيفه، فكم من مؤسسة تتوافر لها الموارد المالية والمادية والبشرية، لكنها تتآكل داخليًا جراء قرارات عشوائية، وتوسع غير محسوب، وخلل في سلم الأولويات.
وفي المقابل، نجحت مؤسسات محدودة الموارد والإمكانات في تحقيق أثرًا كبيرًا وإنجازات لافتة، لأنها أدارت مواردها ”بعقلية الكفاءة“، استخدام الموارد بأفضل شكل ممكن، ”لا بعقلية الوفرة“، التوسّع لمجرد الإمكان.
ومن هنا، فإن ما يسمى بـ ”الأزمة المالية“ لا ينبغي التعامل معها كحدث مفاجئ أو ظرف خارجي مستقل، بل كحصيلة تراكمية لسلسلة من القرارات الإدارية غير الدقيقة التي غالبًا ما تبدأ صغيرة، ثم تتضخم حتى تصبح واقعًا ضاغطًا يُبحث له عن مبررات خارجية.
والسؤال الجوهري هنا: ما هي المشكلة المالية؟ ولماذا تعد من التحديات المهمة التي يجب التصدي لها بشكل جاد وفعال في أي مؤسسة؟ وهل كل مشروع يمر بأزمة مالية أو بتعثر مالي يعد فشلًا؟ وكيف ننتقل من ثقافة ”تبرير الخسارة“ إلى ثقافة ”صناعة الاستقرار“؟
تُعرّف المشكلة المالية في الأدبيات والدراسات الأكاديمية بأنها مفهوم واسع، لا يقتصر على نقص السيولة فقط، بل تمتد لتشمل حالات الاختلال في القدرة على الوفاء بالالتزامات، أو سوء إدارة الموارد، أو تراجع الكفاءة المالية بما ينعكس على الأداء.
وبعبارة أبسط يمكن أن نقول: هي الحالة التي يتجاوز فيها الإنفاق حجم الموارد المالية المتاحة، فينشأ عجز مالي يتراكم بمرور الزمن، مثل شركة ناشئة لديها موارد سنوية محدودة، لكنها تقوم بافتتاح فروع جديدة هنا وهناك، وبزيادة في المخزون، وبرفع في التكاليف التشغيلية ”إيجارات، موظفين، تسويق وإعلانات… إلخ“، دون أن يقابل ذلك نمو حقيقي في الإيرادات أو الدخل، فتكون النتيجة عجزًا ماليًا متراكمًا.
عندما تشير العديد من الدراسات الإدارية والمالية، كدراسات التمويل المؤسسي والاقتصاد السلوكي ونظريات التدفقات المالية الحديثة وغيرها، إلى أن ما بين 70% إلى 80% من الأزمات المالية في المؤسسات لا تعود إلى النقص في الموارد، أو الضعف في الإيرادات، أو إلى غياب الفرص الاستثمارية، وإنما تعود إلى سوء تخصيصها، فإن هذا يعني أننا أمام خلل في ”العقل الإداري“ أو في ”الثقافة الإدارية“ أكثر من كوننا أمام شح في الموارد المالية.
فالمشكلة، كما أفهمها، لا تكمن في قلة المال كما يصورها البعض، بل تكمن في كيفية توجيهه إلى الاتجاه الخطأ، كالتوسع قبل النضج، أو إنفاق تسويقي بلا استراتيجية، أو توظيف من دون حاجة، وهذا ما أدركته لاحقًا من خلال تجربتي العملية في إدارة مؤسستي الخاصة؛ إذ إن الأخطاء الصغيرة، حين لا تُعالج في وقتها، تتراكم تدريجيًا حتى تتحول إلى أزمة كبيرة يصعب احتواؤها.
وبناء على ذلك، أعتقد أن أخطر ما في ”الأزمة المالية“ ليس نقص المال بحد ذاته، بل الاعتقاد بأنه أصل المشكلة؛ إذ يؤخر هذا الوهم اكتشاف الخلل الحقيقي، ويبقي المؤسسة عالقة في دائرة التبرير بدلًا من دائرة التصحيح.
ومع الإقرار بوجود صدمات خارجية قاهرة، كالحروب أو الكوارث أو التقلبات السياسية والاقتصادية المفاجئة، إلا أن الإدارة الواعية هي التي تقلل من أثر هذه الصدمات وتسرّع التعافي منها؛ لأن الاستقرار الحقيقي لا يقوم على تجاهل المتغيرات، بل على الاستعداد لها.
إذا كانت المشكلة المالية كما تبين لا تنشأ في الغالب من نقص الموارد بقدر ما تنشأ من سوء إدارتها، فإن وصفها بـ ”أزمة مالية“ ليس إلا تشخيصًا سطحيًا، يغفل الجذر الحقيقي للمشكلة، بل غالبًا ما يكون عرضًا ظاهريًا لخلل أعمق في بنية القرار الإداري، أو نتيجة متراكمة لسلسلة من الاختيارات غير المنضبطة التي لم يُلتفت إليها في حينها، مثل ضعف التخطيط الاستراتيجي، أو غياب دراسات الجدوى، أو حتى تجاهل مؤشرات الخطر المبكر.
كما أن ضعف الحوكمة المؤسسية وغياب الرقابة الفعالة يسهمان في تفاقم هذه المشكلات؛ إذ تُتخذ قرارات جوهرية دون مراجعة أو مساءلة، ما يفتح الباب لانحرافات مالية يصعب تصحيحها لاحقًا، وهذا ما تشير إليه ”دراسات مراجعة أعمال هارفارد“ وما توصلت إليه شركة ماكينزي وشركاه، وهو ما يتقاطع مع دراسات الاقتصاد السلوكي التي أشرنا إليها.
ولعل ما عبّر عنه المفكر الإداري بيتر دراكر بقوله: ”الإدارة هي أن تفعل الأشياء بشكل صحيح، أما القيادة فهي أن تفعل الأشياء الصحيحة“، إشارة واضحة إلى أن المشكلة ليست في التنفيذ فقط، بل في اختيار الاتجاه من الأساس.
ومن أبرز الأمثلة الواقعية على ذلك ما حدث مع شركة WeWork ”نحن نعمل“، التي لم تكن تعاني في بدايتها من نقص التمويل، بل على العكس، حصلت على مليارات الدولارات من الاستثمارات، إلا أن المشكلة تمثلت في التوسع غير المنضبط، واتخاذ القرارات المبنية على الحماس أكثر من كونها مبنية على معايير مالية دقيقة، فكانت النتيجة أزمة حادة كادت أن تنهي الشركة رغم وفرة المال.
وكذلك ما جرى مع شركة ”Kodak“ كوداك، التي لم تفشل بسبب قلة الموارد، بل بسبب سوء قراءة التحول الرقمي، وتأخرها في تبني التكنولوجيا التي كانت هي نفسها من أوائل من ابتكرها، فتحولت الأزمة من فرصة إلى تهديد، ومن ريادة إلى تراجع، رغم امتلاكها للخبرة والمال.
كما نجد نماذج بدأت بموارد محدودة، لكنها نجحت بفضل الإدارة الرشيدة مثل ”Airbnb“ إير بي إن بي، التي انطلقت بإمكانات متواضعة، لكنها اعتمدت على فهم عميق للسوق، وإدارة دقيقة للتكاليف، وتدرج مدروس في التوسع، حتى تحولت إلى واحدة من أكبر الشركات في قطاعها.
وعليه، فإن التعامل مع الأزمة المالية بوصفها سببًا مستقلًا هو في حقيقة الأمر تبسيط مخل، بل ربما تضليل إداري، يُراد منه الهروب من مواجهة الحقيقة الأكثر إيلامًا، وهي أن الخلل يكمن في الداخل لا في الخارج، وفي القرارات لا في الظروف، وفي المنهج لا في الموارد.
إن الانتقال من ثقافة تبرير الخسارة إلى ثقافة صناعة الاستقرار ليس مجرد تغيير في الخطاب، بل هو تحول عميق في التفكير والسلوك المؤسسي، وانتقال من البحث عن الأعذار إلى البحث عن الأسباب، ومن الدفاع عن الأخطاء إلى معالجتها.
فالمؤسسات الواعية لا تنتظر الأزمة حتى تتحرك، ولا تكتفي بتشخيصها بعد وقوعها، بل تتعامل مع المؤشرات المبكرة بوصفها فرصة للتصحيح لا مقدمة للانهيار، ولذلك يمكن تلخيص هذا التحول في عدد من المحاور الأساسية، ولعل من أبرزها:
أولًا: تحويل القرارات إلى أرقام مكتوبة:
فالقرار الذي لا يُترجم إلى أرقام هو قرار عاطفي مقنّع، وهو أشبه بسفينة بلا بوصلة؛ قد تبحر ظنًا منها أنها تسير في الاتجاه الصحيح، لكن التيار سيأخذها حيث لا تريد، والمؤسسات أو الأفراد الذين يديرون أموالهم بـ ”الانطباعات“ و”التقديرات العاطفية“ و”الارتجال“ سرعان ما يقعون في دوامة لا حدود لها، لينتهي بهم الأمر إلى أزمات كان يمكن تجنبها لو أُديرت الموارد بعقل تحليلي ومنهج واضح.
ثانيًا: بناء نظام إنذار مبكر:
وهو القدرة على اكتشاف الخطر قبل أن يتحول إلى أزمة، بل هو بمثابة العيون التي ترى ما لا يراه الآخرون، والعقل الذي يقرأ ما بين الأرقام، لا ما يظهر منها فقط، فهو نظام ينبهك حين تبدأ المؤشرات بالانحراف، ويوقظك قبل أن يتحول الخلل الصغير إلى انهيار كبير، بل ويمنحك فرصة التصحيح وأنت لا تزال في منطقة السيطرة، لا في دائرة الطوارئ.
ثالثًا: إيقاف النزيف قبل البحث عن النمو:
إن من الأخطاء الإدارية الكبيرة التي تقع فيها العديد من المؤسسات أو الأفراد محاولة ”تعويض الخسارة بالتوسع“، وهذا ما تفسره أبحاث الاقتصاد السلوكي بـ ”الهروب إلى الأمام“، حيث يظن مديرو المؤسسات أن الحل يكمن في المزيد من الإنفاق.
رابعًا: ربط المسؤولية بالقرار لا بالنتيجة:
وهو ما يتقاطع مع طرح دانيال كانيمان، أحد أبرز العلماء في فهم طريقة تفكير الإنسان واتخاذه للقرارات، والذي يوضح أن بعض القرارات قد تنجح ”بالحظ“ رغم أنها خاطئة منهجيًا، وإذا لم تُراجع ستقود إلى كارثة لاحقًا، ”كصفقة حققت ربحًا سريعًا، لكنها اعتمدت على مخاطرة غير مدروسة، فإذا لم تُراجع ستتكرر… وعندها لن يكون الحظ موجودًا“.
إن أخطر ما يمكن أن تفعله المؤسسات ليس أن تخسر، بل أن تخطئ ثم تقنع نفسها بأن السبب خارجها، ولا يقتصر هذا المعنى على المؤسسات، بل قد يمتد إلى المجتمعات أيضًا، إذ لا تكمن الخطورة في الوقوع في الخطأ، بل في تبريره بعوامل خارجية كالظروف أو الآخرين أو المؤامرات الخارجية، دون مراجعة نقدية صريحة وشاملة.
وحين ندرك أن الاستقرار والتوازن لا يُصنعان بالموارد وحدها، بل بالعقول التي تديرها، هنا ننتقل من عقلية التبرير إلى عقلية البناء، ومن رد الفعل إلى الفعل، ومن إدارة الأزمات إلى صناعة النتائج.
فالنجاح ليس أن تملك أكثر… بل أن تُحسن إدارة ما تملك











