آخر تحديث: 15 / 4 / 2026م - 12:07 ص

مَن هانَ أهلُه هانَ نفسه

الدكتور ماهر آل سيف *

في إحدى المجالس، جلس رجل في عمر النضج يزيد عن الستين في سنواته بين الناس كأنما جاء ليؤنس الحديث، لكنه ما لبث أن جعل لسانه سيفًا على قريبٍ له، غائبٍ عن المكان، لا يدفع عن نفسه، ولا يردّ كلمةً بكلمة. ترك الحاضرين جميعًا، واتجه إلى نسيبه ينهش سمعته، ويصبّ عليه عباراتٍ فيها السخرية والاسقاط والانتقاص، وكأن رفعة نفسه لا تتم إلا إذا هدم مقام غيره.

وكان المشهد في غاية العجب؛ لأن من يطعن في قريبه أمام الغرباء لا يكشف عيب قريبه بقدر ما يكشف فقر مروءته، وسفاهة منطقه، وضيق عقله. فالناس قد يختلفون في تقييم الرجال، لكنهم يكادون يجتمعون على أن الذي يسبّ رحمه في غيبته، إنما يخلع عن نفسه ثوب الوقار بيده، ويقف أمامهم صغيرًا ولو ظن أنه يكبر.

لقد كان يظن أنه يُنقص من مكانة قريبه، وما درى أن السهام كلّها ارتدت إلى صدره. فما من عاقلٍ يرى رجلًا يفضح لحمه ودمه بين الناس، ثم يصفه بالحكمة أو يرفعه في المنزلة. بل إن مثل هذا الصنيع لا يدل إلا على نفسٍ هزيلة، تريد أن تصعد على أكتاف الأقربين، ومن يبنِ مجده على إهانة أهله، فما بنى مجدًا، وإنما شاد خزيًا.

وحين بلغ الكلام ذلك القريب، وسُئل: ما قولك فيما قال؟ أجاب بهدوء الكبار، وعزة من يعرف قدر نفسه:

هو محق فيما قال، وهو لحمي ودمي، وأنا لا آكل من لحمي أبدًا.

فكان جوابه أرفع من إساءتهم، وأبلغ من ضجيجهم، وأثبت أن الشريف قد يُؤذى، لكنه لا ينحدر؛ وأن الكريم قد يُغتاب، لكنه لا يردّ السقوط بسقوطٍ مثله.