وسائل التواصل بين الإيجاب والسلب
المجتمعات التي تسودها ثقافة ما يبرز أثرها على أفرادها، حيث يعيش الفرد فيها ويسعى ليكون جزءًا منها، وله دور كبير في تنميتها والولاء لها. فإن كانت إيجابية، انعكس ذلك على سلوكه وتحصيله المعرفي والثقافي، أما إذا كانت سلبية فإنها تقود إلى حالة من الانحدار.
وتبقى هذه الثقافة حاضرة في تفكير الفرد، فيبذل ما في وسعه ليتشربها، ولا فرق في ذلك بين رجل وامرأة.
في زمننا هذا استُحدثت ثقافة جديدة، ألا وهي وسائل التواصل الاجتماعي، التي غيّرت من أساليب تفاعل الناس. فلم يعد هناك أحد تقريبًا إلا وله حضور فيها، وبات يمتلك مهارات متعددة تمكّنه من التعبير عن أفكاره ونشرها بسهولة.
وهذا ما جعل هذه الوسائل بيئة مفتوحة للجميع، يطرح فيها كل شخص ما لديه من آراء وتجارب.
ومع ذلك، يبرز تباين واضح في آراء الناس حول تأثير هذه الوسائل؛ فهناك من يرى أنها أثّرت سلبًا على العلاقات داخل الأسرة، حيث انشغل كل فرد بجهازه على حساب التفاعل المباشر. في المقابل، يرى آخرون أنها قرّبت المسافات وسهّلت كثيرًا من جوانب الحياة، حتى أصبحت ضرورة يومية، بل إن من لا يستخدمها قد يتعرض للانتقاد. وهنا يطرح السؤال نفسه: هل أثّرت وسائل التواصل الاجتماعي بشكل إيجابي أم سلبي؟ في الحقيقة، كل أمر مستحدث يحمل في بداياته إيجابيات وسلبيات، حتى يعتاد عليه الناس ويتعاملون معه بوعي. وقد رأينا مثالًا واضحًا في التلفزيون، حين كان محل جدل في بداياته، ثم أصبح جزءًا أساسيًا من كل منزل. لذلك، منالطبيعي أن تمر وسائل التواصل بالمرحلة نفسها. من أبرز الإيجابيات أنها أعادت وصل العلاقات البعيدة؛فالشخص الذي كان يجد صعوبة في التواصل مع صديق خارج بلده أصبح اليوم قادرًا على الحديث معه يوميًا، وتبادل الأفكار والتجارب بسهولة.
وكذلك الحال بين العائلات المتباعدة، حيث ساهمت هذه الوسائل في تقوية الروابط والتعرّف المستمر بين أفرادها رغم البعد الجغرافي. في المقابل، تظهر بعض السلبيات، ومن أهمها ضعف التواصل المباشر. فقد أصبحت بعض المجالس تجمع الأجساد فقط، بينما ينشغل كل فرد بهاتفه؛ يتصفح أو يشاهد، دون مشاركة حقيقية. وهذا ما أفقد تلك الجلسات روحها التي كانت قائمة على الحوار والتفاعل. ونرى ذلك بوضوح في كثير من المناسبات، حيث يقل الحديث ويكثر الانشغال بالأجهزة.
في النهاية، تبقى المسؤولية على عاتق الفرد في كيفية التعامل مع هذه الوسائل؛ فيأخذ منها ما ينفعه، ويتجنب ما يضره. فالتوازن هو الأساس، والقدرة على استخدام هذه الوسائل بوعي هي ما يحدد إن كانت ستخدم الإنسان أو تؤثر عليه سلبًا. كما ينبغي أن يدرك متى يبتعد عنها، خاصة في المواقف التي تتطلب حضورًا إنسانيًا صادقًا.











