آخر تحديث: 7 / 4 / 2026م - 11:45 م

رجفة العزم

عماد آل عبيدان

بيتي… جنّتي وجنّة عائلتي ومستودع أمانهم تختبئ فيه حكايات لا تروى لأنها ببساطة تحدث بهدوء لا يحتاج شاهدًا إلا صاحبها.

قبل يومين فقط لم يكن في ذهني مشروع بطولة ولا نية لإثبات شيء لأحد. كان الأمر أقرب إلى حوار داخلي ”اليوم اليوم… خلنا نرتبها على أًصولها.“

وهكذا بدأت.

الأشجار التي اعتادت أن تقف كما تشاء قُصّت بتقليم حاسم.

النخيل الذي كان يمد سعفه أكثر مما ينبغي رغم صغر النخل عاد إلى حدوده.

شجرة الليمون… تلك التي تعرف الطريق إلى القلب قبل الفم أُعيد تشكيلها كي لا تعيق طريق أحد.

أما تلك الشجرة الرفيعة ذات الجذوع الثلاثة — الكنار — فقد وقفت أمامها طويلًا كأن بيني وبينها عهدًا قديمًا ثم قطعتها وطعمتها وكأنني أقول لها ”انتهى شكلك الأول… ابدئي من جديد.“

لم يكن هناك عامل يحمل عني التعب ولا صوت يواسيني بين خطوة وأخرى.

أنا… وأنا فقط… بين منشار ومقص يدوي وفكرة وبين ظل يتبدل وأرض تعود إلى ترتيبها.

وفي زاوية أخرى من الحكاية كانت ”الدينمة“ تخوض معي نقاشًا تقنيًا حادًا.

تلك القطعة الصغيرة التي تظنها آلة وتكتشف فجأة أنها تختبر صبرك.

غيرتها وراقبتها وشككت في ”الشاك بلف“ جادلت العامل وقلت له بنبرة الواثق المتعب ”ستعود كما كانت… أنا أعرف هذا العناد.“

وعادت… إذ لم تخن توقعاتي في اليوم التالي، فكان القرار النزول إلى الخزان الأرضي.

متران من العمق قليل من الضوء ورطوبة زائدة وكثير من القناعة أنك وحدك المسؤول.

ركّبت ما يلزم وأضفت احتياطًا فوق احتياط كأنني أحصّن ماء لا يحتمل خيانة.

انتهى كل شيء تقريبًا… أو هكذا ظننت.

جلست مساءً والجسد يرسل إشاراته الأولى عضلات تتحدث ومفاصل تراجع الحساب.

ضحكت في داخلي ”يبدو أن الجسد لا ينسى حتى لو نسيت أنا.“

ثم جاءت اللحظة التي لم تكن في الحسبان.

ليلة عادية… مزرعة قريبة… مجلس لا يبعد إلا خطوات.

أوقفت السيارة نزلت وأقفلت الباب، ومشيت.

عشر خطوات فقط… وربما أقل

وفجأة…

برد لا يشبه أبريل ولا يشبه المكان ولا يشبهني

رجفة صادقة لا تقبل التفسير السريع.

الجسد يرتعد كأنه خرج من ماء بارد وأنا لم ألمس قطرة.

تسارعت الخطى ليس شوقًا للمجلس حقيقة الأمر وإنما بحثًا عن دفء عاجل.

دخلت وسلّمت ويدي تسبقني نحو جاكيت معلّق كأنها تعرف الطريق أكثر مني.

العيون تسأل ”ما الذي حدث؟“

وأنا… كنت أبحث عن إجابة.

هل هو العمر؟

نحن الذين نقول إننا ما زلنا في منتصف الطريق ونفاجأ أحيانًا أن الجسد يضع فاصلة في غير موضعها.

هل هو التعب؟

ذلك النوع من الجهد الذي لا يُرى لكنه يتراكم كدينٍ يتزايد.

هل هو قلة الأكل؟

أم تلك الثقة الزائدة التي تجعل الإنسان يتعامل مع نفسه كأنه لا يُرهق ولا زال كأيام العشرينات؟

ربما كل ذلك… وربما شيء آخر.

الحقيقة التي لا نحب الاعتراف بها

هِي أننا حين ننجز أمرًا أو مهمة ننسى أننا بشر.

نظن أن القدرة مستمرة وأن العزم لا يضعف وأن الجسد يتبعنا أينما ذهبنا دون اعتراض.

لكن الجسد… له لغته الخاصة.

دون سابق إنذار أو إشعار يكتفي بلحظة واحدة… يقول فيها كل شيء.

تلك الرجفة لم تكن بردًا فقط.

كانت تنبيهًا ناعمًا… فيه شيء من الحزم.

كأنها تقول ”أحسنت… لكن تمهّل وانتبه.“

والجميل في الأمر… أن الإنسان لا يتوقف بعدها.

لا يتراجع أو ينسحب ولا يعلن الهزيمة.

يعيش على الأمل ويعيد ترتيب نفسه كما أعاد ترتيب أشجاره.

نحن لا نتعلم من التعب كيف نتوقف…

نتعلم منه كيف نستمر… بطريقة أذكى.