آخر تحديث: 7 / 4 / 2026م - 11:45 م

حكاية امرأة عاشت للآخرين

رضي منصور العسيف *

دخلتُ البيت ذات مساء، فوجدت أمي جالسة في صمتٍ ثقيل تمسح دموعها بطرف ثوبها. اقتربتُ منها بلهفة وقلق، وقلت:

- ما بكِ يا أمي؟ هل حدث مكروه؟

رفعت رأسها، وكان صوتها متحشرجًا بالحزن:

- جارتنا… أم خالد… توفيت.

في تلك اللحظة تساقطت دموعي دون أن أشعر؛ فقد كانت أم خالد أكثر من جارة، كانت لأمي أختًا تجلس معها كل يوم، يتقاسمان الحديث والذكريات والضحكات البسيطة التي تمنح الحياة دفئها.

قلت بصوتٍ خافت:

إنا لله وإنا إليه راجعون… رحمكِ الله يا أم خالد.

جلستُ إلى جوار أمي أهدّئ من حزنها، وبدأنا نستعيد معًا سيرة تلك السيدة الحنون، وكأن الذكريات تحاول أن تعيدها للحظةٍ إلى الحياة. نعم… أم خالد كانت جارتنا، امرأة لا تكفي الكلمات لوصفها؛ فلو قيل عنها مكافِحة لكان الوصف أقل من حقيقتها، ولو قيل عنها صابرة لبقي في القلب شعور بأن المعنى أوسع من كل الكلمات.

كانت في السبعين من عمرها، لكنها تحمل في قلبها عمر أجيالٍ كاملة. مطلّقة منذ شبابها، ومع ذلك لم تنكسر؛ ربّت ولدها الوحيد بيديها، وسارت معه خطوةً خطوة، وسهرت على تعليمه وتربيته حتى صار رجلاً يُشار إليه بالبنان في بلده، لكن قلبها لم يكن يعرف حدودًا للعطاء.

مضت السنوات… تزوّج ابنها الوحيد، وأنجب طفلةً جاءت إلى الدنيا بولادة مبكرة فكانت من ذوي الاحتياجات الخاصة، ثم وقع الطلاق وغادرت الأم وبقيت الطفلة، وهنا اتّسع قلب الجدة مرةً أخرى؛ احتضنت حفيدتها كما احتضنت ابنها من قبل، ترافقها إلى مواعيدها وتسهر على حاجاتها، وتحاول أن تمنحها من الحنان ما يعوّضها عن أمٍ غابت منذ ولادتها.

كبرت الطفلة… وكبر معها تعلقها بجدتها، حتى إنها لم ترغب أن تعيش في بيت أبيها رغم طيبة زوجته، بل اختارت أن تبقى مع الجدة التي عرفت معها معنى الأمان.

مرت السنوات وتبدلت الأزمنة؛ ففي تلك الأيام لم تكن مدارس ذوي الهمم كما هي اليوم، فحُرمت الطفلة من التعليم رغم ذكائها ووعيها، لكن الجدة لم تحرمها من الحنان.

هذه المرأة التي أفنت عمرها في رعاية الآخرين نسيت نفسها؛ حتى في شيخوختها كانت تدخل المطبخ لتخدم أسرتها، رغم ضعفها وكثرة ما تعرضت له من سقوطٍ وكسور. كم مرة كسرت قدمها، وكم مرة سقطت على رأسها، ومع ذلك كانت تنهض كل مرة وكأن قلبها يهمس لها:

العائلة أولاً.

كانت جارتنا سنوات طويلة… جدارًا في جدار، ولم نرَ منها يومًا إلا الخير. لكن الحياة لا تبقى على حال؛ فقد تحوّل ذلك الهدوء إلى عاصفة حين جاء أخوها يومًا وطالبها بمغادرة البيت معللًا ذلك بحاجته إليه، وأعطاها مبلغًا لا يكفي لشراء شقة صغيرة. كان موقفًا قاسيًا، لكن ابنها كان مستعدًا لتلك اللحظة؛ فبادر إلى شراء بيتٍ آخر، وانتقلت الأسرة إليه واستقرت حياتهم من جديد.

ومضت الأعوام… حتى جاء ذلك اليوم الذي دخلت فيه أم خالد المستشفى إثر جلطة، وأُدخلت العناية المركزة. جاء أخوها يومها معتذرًا نادمًا، وقف عند سريرها ينظر إلى وجهها الذي أنهكته السنين وناداها بصوتٍ مكسور… لكنها لم تجبه. خرج من الغرفة ودموع الحسرة تنحدر على خديه.

أما هي… فقد بقيت صورتها في الذاكرة؛ صورة امرأة صنعت من بيتها مدرسةً للصبر، ربّت ولدها وربّت حفيدتها، وحملت على كتفيها حياة ثلاثة أجيال. وربما لم يُكتب اسمها في كتاب، لكنها كتبت سيرتها في قلوب من عرفوها.

فإن ضاع هذا العطاء في أعين الناس… فإنه لا يضيع عند رب العالمين.

ولعل أعظم ما يمكن أن يُقال عنها:

إنها امرأة لم تعش لنفسها يومًا… بل عاشت عمرها كله قلبًا يسع الجميع.

كاتب وأخصائي تغذية- القطيف