آخر تحديث: 6 / 4 / 2026م - 11:01 م

بين الكاف والفاء «كن فيكون»

قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا [مريم الآية 4].

من تلك النماذج القرآنية الرائعة التي ترسم معالم علاقة الإنسان بربه يقينا وجزما وثقة بتدبيره وتصريفه لشئون الكون والعباد هو دعاء نبي الله زكريا ، فالدعاء في حقيقته يقين بالقدرة الإلهية على تصريف الأقدار بمقتضى المصلحة والمشيئة الإلهية مخترقة عامل الزمان والمكان والأسباب الظاهرية «نظام العلة والمعلول»، إذ أن الحوائج والمطالب قد تحول دون تحققها العوامل الظاهرية المانعة، ولكن هذا لا يعني انقطاع الرجاء من قلب المؤمن وتزعزع ثقته بالله تعالى في تكوين ما فيه المصلحة، كما في قصة نبي الله زكريا حيث كانت زوجته تعاني من ظرف صحي يمنع من الإنجاب وهو العقم مع ظهور علامات كبر السن عليه حيث عبّر عن ضعفه البدني بوهن العظام، ومع ذلك يظهر في أفق النفس المطمئنة نسق الرجاء والثقة دون أن يفصل بينهما تردّد أو تهيّب، فكون زوجته عاقرا يعبّر عن واقع الحياة البشرية وما تواجهه من موانع تحول دون تحقيق الرغبات، ولكن نافذة الأمل لا تُغلق في قلوب أيقنت بالقدرة الإلهية على كل شيء حتى دون المرور بنظام الأسباب الظاهرية، وهذا ما دعا النبي زكريا إلى أن لا يتوقف عن التوجه إلى الله تعالى والدعاء وطلب الذرية الصالحة، وانظر إلى دقة التعبير والبلاغة القرآنية عندما تقترن الفاء بالطلب «فهب»، أي المحرك في هذا الدعاء هو اليقين والثقة الراسخة والمتجذرة في النفس بالقدرة الإلهية، وهو ما يؤسس لمظهر التوحيد في الدعاء من خلال بيان عدم حاكمية الأسباب الظاهرية وضرورة تحكمها في مسار النتائج والآثار، فالأمور تسير وفق نظام الحكمة الإلهية والأسباب مجرد عوامل تحقق لا أكثر، فالعقم - مثلا - في نظر بعض البشر نهاية العالم ومحطّ حلول اليأس والنظرة السوداوية للحياة وانقلاب المشهد نحو التشاؤم، وأما في منطق الإيمان والتعلّق بالقدرة الإلهية فهو يعني حلول ظرف من الظروف التي يمكن أن تزول وتتبدّل وفق الإرادة الإلهية؛ لتظهر لنا حقيقة توحيدية جلية تعكس فهما وإدراكا للقدرة الإلهية، حيث يتحوّل الدعاء في مضامينه من مجرد حركة لسان إلى فعل معرفي يحمل معاني الثقة والتعلق بالتقدير الإلهي مهما كانت حركته نحو التحقق أو الامتناع.

وكان طلب نبي الله زكريا نوعا من طلب عطية خاصة تتبلور وتظهر عن طريق غير طبيعي، عطاء لا يتحقق بالأسباب العادية المعروفة بل هو استثناء يبزغ من الخزائن الإلهية، ولم يكن طلب نبي الله زكريا الذرية الصالحة إلا بالنظر إلى أداء الوظيفة الرسالية والقيام بوظيفة الهداية ويحمل امتداد النبوة في بني إسرائيل، وهو ما يكشف أن طلب الولد مرتبط بمشروع إلهي في عمارة الأرض وبسط التوحيد والعدالة مما يزيده إخلاصا وقبولا.

ويذيّل نبي الله زكريا دعاءه باستحضار تاريخ العناية الإلهية الممتد بطول حياته وفي جميع تفاصيلها ولحظاتها ويجعل منه دليلا على حسن الظن بالله تعالى والثقة بتدبيره، «وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا»، فالدعاء هنا استمرار لعلاقة قائمة على التجربة واليقين حيث لم يذق الشقاء في دعائه لربّه من قبل أبدا.