مسيرة طاهر العيثان.. كتاب يوثق العطاء ويحفظ الذاكرة المجتمعية
صدر عن مؤسسة الانتشار العربي بالشارقة، كتاب ”الناشط الاجتماعي الأستاذ طاهر العيثان… مسيرة عطاء“
هذا الكتاب هو قراءة في عمل توثيقي يُخلّد أثر الإنسان في مجتمعه، ويأتي هذا الكتاب الذي ألّفه الأستاذ أحمد العيثان ضمن سلسلةٍ توثيقية رصينة تُعنى بتاريخ أسرة العيثان، حيث يمثّل الإصدار الحادي عشر في هذه السلسلة، ويقع في 324 صفحة موزّعة على سبعة فصول، في محاولة جادّة لرسم ملامح سيرةٍ إنسانية واجتماعية حافلة بالعطاء والتأثير. وليس هذا العمل مجرّد سردٍ تاريخي، بل هو بناءٌ متكامل يُبرز قيمة الإنسان حين يتحوّل حضوره إلى أثرٍ ممتد في المجتمع.
في الفصل الأول، مهّد الكاتب للقارئ بإطلالة موجزة على أسرة العيثان، مشيراً إلى بعض أعلامها ومؤلفاتها، في دلالةٍ على أن هذه السيرة الفردية تنتمي إلى سياقٍ عائلي زاخر بالعلم والعمل، وكأن الكاتب يريد أن يقول إن الامتداد الأسري كان حاضناً أولياً لصناعة هذا النموذج.
أما الفصل الثاني، فقد انفتح على البدايات، حيث تناول نشأة الأستاذ طاهر العيثان، مستحضراً ذكريات الطفولة وأصدقاء تلك المرحلة، ومرفقاً ذلك بصورٍ توثيقية تضفي على السرد حميمية وواقعية. ولم يغفل الكاتب مرحلة الشباب، بل أبرز امتداد العلاقات الاجتماعية وتحوّلها، في إشارة إلى أن الشخصية الاجتماعية لا تُبنى فجأة، بل تنمو عبر الزمن وتتشكل عبر التجارب والرفاق.
وفي الفصل الثالث، انتقل المؤلف إلى الجانب التعليمي، متتبعاً مسيرة الأستاذ طاهر منذ مراحل التعليم الأولى، مروراً بالمرحلتين المتوسطة والثانوية، ثم التحاقه بمعهد إعداد المعلمين، وصولاً إلى مركز العلوم والرياضيات بالدمام. وقد أشار في هذا السياق إلى الشهادات التقديرية والدورات التدريبية التي حصل عليها، بما يعكس حرصه على التطوير الذاتي، ويكشف عن جانبٍ مهم من شخصيته التي تجمع بين الميدان الاجتماعي والتأهيل العلمي.
ويأتي الفصل الرابع بوصفه القلب النابض للكتاب، حيث تناول الكاتب فيه المحور الاجتماعي، وهو المجال الذي برز فيه الأستاذ طاهر العيثان حضوراً وتأثيراً. فقد استعرض دوره في نادي العدالة، متتبعاً نشأة النادي وتأسيسه، ثم إسهاماته القيادية من خلال توليه رئاسة المجلس أكثر من مرة. كما سلّط الضوء على جهوده في جمعية الحليلة الخيرية، حيث تولى رئاستها في أكثر من دورة، وشارك في إطلاق وتنفيذ برامج اجتماعية بارزة مثل برنامج الزواج الجماعي وبرنامج الإيثار المثالية. ولم يقف عطاؤه عند هذا الحد، بل امتد إلى اللجان الصحية والأهلية ولجان المتابعة، في صورةٍ تعكس تعددية اهتماماته واتساع دائرة تأثيره. وقد تُوّج هذا العطاء بعددٍ من الدروع وشهادات التقدير التي نالها تقديراً لجهوده.
وفي الفصل الخامس، عرض الكاتب جانباً آخر من شخصية الأستاذ طاهر، يتمثّل في مطالبه الاجتماعية، حيث لم يكن دوره مقتصراً على التنفيذ والمشاركة، بل كان أيضاً صوتاً فاعلاً يعبّر عن احتياجات المجتمع ويسعى لتحقيقها، وهو ما يدل على وعيٍ عميق بطبيعة العمل الاجتماعي وأبعاده.
أما الفصل السادس، فقد شكّل لوحةً إنسانية ثرية من خلال الشهادات التي كُتبت في حقه، وهي شهادات تنوّعت مصادرها بين أطباء وأكاديميين ومشايخ وفاعلين اجتماعيين، مما يمنحها مصداقية واتساعاً في الرؤية. وقد عكست هذه الشهادات صورة متكاملة لشخصيةٍ استطاعت أن تترك أثراً في مجالات متعددة، وأن تحظى بتقدير شرائح مختلفة من المجتمع.
وفي الفصل السابع والأخير، اختتم الكاتب هذا العمل بعرضٍ بصري لسيرة الأستاذ طاهر، من خلال مجموعة من الصور التي توثق محطات حياته، وخاصة لحظات التكريم والإنجاز، لتكون الصورة مكمّلة للكلمة، والدليل شاهداً على ما ورد في المتن.
إن هذا الكتاب، في مجمله، لا يقدّم سيرة فرد فحسب، بل يقدّم نموذجاً يُحتذى في العمل الاجتماعي، ويؤكد أن العطاء الصادق قادر على أن يصنع تاريخاً يُروى، وأثراً يُخلّد. كما يبرز أهمية التوثيق في حفظ الذاكرة المجتمعية، وإبراز النماذج التي أسهمت في بناء المجتمع، لتكون مصدر إلهام للأجيال القادمة.
وبين صفحات هذا العمل، ندرك أن السيرة الحقيقية ليست ما يُكتب فحسب، بل ما يُعاش ويُترك من أثر، وأن الإنسان حين يخلص لرسالته، تتحول حياته إلى قصة تستحق أن تُروى.
وقد تمَّ هذا الأسبوع تدشينُ الكتاب في أجواءٍ مميزة، ليس في محفلٍ عابر، ولا ضمن حضورٍ تقليدي، بل في لقاءٍ نخبويٍّ راقٍ، ضمَّ عددًا من أعضاء المجتمع الفاعلين، وكوكبةً من النخب الثقافية التي تُثري المشهد بفكرها وعطائها.
جاء التدشين شاهدًا على قيمة العمل ومكانته، ولم يكن حدثًا عاديًا يُمرّ دون أثر، بل مناسبةً تعكس حضور الفكرة، وامتدادها في الوعي الثقافي، ومكانة صاحبها بين أهل الفكر والاهتمام.












