آخر تحديث: 6 / 4 / 2026م - 11:01 م

الحس الإداري.. فن يصنع الفرق

عيسى العيد * صحيفة اليوم

كثيرًا ما نسمع بعض المصطلحات يسبقها لفظة «إدارة».

فعندما تتداخل بعض المواعيد أو تتأخر، يُقال لمن يتصف بهذه الصفات إنه يحتاج إلى إدارة الوقت. وكذلك من لا يستطيع السيطرة على مصروفاته يحتاج إلى إدارة مالية، ومن كانت حياته المنزلية غير منضبطة فهو بحاجة إلى إدارة الأسرة، وهناك أيضًا الإدارة المدرسية التي تحتاج إلى مدير يضع الأمور في مكانها السليم، وهكذا دواليك.

فهل الإدارة فن أم علم أم عادة يكتسبها أي شخص؟

وللإجابة على هذا التساؤل، يمكن النظر إلى الإدارة من أكثر من زاوية؛ فإن كانت فنًا وموهبة ربانية، فسنُسلِّم بأن ليس بيد كل شخص أن يصبح مديرًا. وإن كانت علمًا، فهي متاحة للجميع، لكن العلم لا يُجبر أحدًا على ممارسته، بل يضع القوانين والإجراءات التي تتيح للمتعلم أن يسير عليها، كما هو الحال في بقية العلوم.

ومن هنا يمكن القول إن الإدارة تجمع بين الأمرين، لكنها تميل إلى كونها فنًا قبل أن تكون علمًا، وهي أيضًا عادة يكتسبها الإنسان منذ صغره ويتمرس فيها من خلال ترتيب أدواته المدرسية مبكرًا، وأداء واجباته أولًا بأول، والاهتمام بنظافته العامة. كل ذلك يجعله مديرًا لحياته في مراحلها الأولى، ثم تتطور هذه العادة ليصبح صاحب إدارة ذاتية، حتى وإن لم يتولَّ منصبًا إداريًا في عمله؛ فقد يكون موظفًا عاديًا، لكنه مدير لحياته.

هل يختلف الحس الإداري عن غيره من أنواع الإدارة؟

نعم، فالحس الإداري نوع من الإدارة، لكنه أعمق؛ إذ إن من يتصف به يلاحظ أدق التفاصيل. ومن الواقع العملي تظهر هذه الفروق بوضوح، ولعل في القصة التالية ما يوضح ذلك: نقل لي أحد الأصدقاء أن أخاه تم توظيفه في وكالة سيارات يملكها شقيقان، أحدهما كفيف البصر. يقول صديقي: كانت وظيفة أخي مسؤول مبيعات في المعرض، وهو عمل يتطلب الحركة مع الزبائن لمعاينة السيارات. وعند ذهابنا للمقابلة الشخصية، كان أخي يرتدي حذاءً عاديًا، وكان لصوته وقعٌ واضح أثناء المشي. فما إن أقبلنا، حتى قال الأخ الكفيف مباشرة: كيف ستعمل في المبيعات وأنت لا ترتدي حذاءً مناسبًا «جوتي»، بينما العمل يتطلب خفة في التنقل ومتانة في الهندام؟ فاستغربنا دقته، حتى ظننا لوهلة أنه مبصر. وبعد مدة من العمل، تبيّن لنا أن إدارته دقيقة في جميع أمورها.

وهذه النوعية من الناس تمتلك حسًا إداريًا متقدمًا، يتكوّن بالممارسة والمران، لكنه لا يظهر عند الجميع بالدرجة نفسها؛ إذ إن بعض الأشخاص يمرون بالتجارب نفسها، لكنهم لا يلتقطون تفاصيلها.

فالحس الإداري لا يرتبط بكثرة العمل فقط، بل بمدى الانتباه لما يحدث فيه، ومن هنا يمكن لأي شخص أن يطوّره إذا أحسن ملاحظة ما يمر به من مواقف. الإدارة فن متاح للجميع، لكن التفاوت بين الناس يظهر في القدرة على ملاحظة التفاصيل والتعامل معها. ومع ذلك، يخلط بعض الناس بين الإدارة والتسلّط، فيظنون أن الإدارة تعني الصراخ أو العقاب. نعم، قد تُستخدم الشدة أحيانًا، لكن ليس على إطلاقها. فالمدير الناجح هو من يجعل من يعملون معه يحترمون عملهم نتيجة احترامهم له، وذلك بفضل حسن تعامله وفنّه في الإدارة؛ فيُقدّرونه حتى مع وجود بعض العيوب. على العكس من المدير الذي يعتمد على الصراخ والعقاب، فهذا لا يحظى باحترام حقيقي في النفوس. وخلاصة القول: إن الإدارة فن وحكمة في التعامل، تساعد الإنسان على ترتيب حياته، سواء في وقته أو ماله أو أسرته؛ فمن أحسن إدارة نفسه، سهلت عليه إدارة غيره.