آخر تحديث: 6 / 4 / 2026م - 11:01 م

دهشة في وجوه المساكين

عبد العزيز شروفنا *

منذ سنوات عديدة، سافرت إلى إحدى الدول الأوروبية عن طريق مطار دبي. في قاعة الترانزيت، جلست سيدة في العقد الخامس من عمرها ضمن أعداد غفيرة من المسافرين المحشورين في قاعة الانتظار. كانت السيدة الغريبة قد احتلت مقعدًا منفصلًا، جلست وفي يدها كتاب كانت تقرأ فيه بلغتها التي لا أعرفها. صادف أن كان المقعد الذي أجلس عليه قبالها مباشرة، ولكن يفصل بيننا مسافة تسمح من خلالها بمرور المسافرين.

لفتت انتباهي وهي تقرأ في ذلك الكتاب، وتبتسم حتى تطول ابتسامتها وتتحول إلى ضحكات خفيفة، وسرعان ما يتحول الضحك إلى قهقهة، لافتةً لجميع من كانوا حولها أو قريبين منها. كان واضحًا أنها تتحدث مع نفسها وهي تقرأ كل سطر من كتابها اللافت للنظرات. وكانت عيناها تلمعان بالفرح والإثارة. لاحظت أن الأشخاص الآخرين في المكان بدأوا ينظرون إليها بابتسامة، وكأنهم يستمتعون بفرحها.

فأحيانًا تعدل الكتاب مباشرة أمامها، وأحيانًا تحاول وضعه بطريقة عكسية. تزداد ضحكاتها على حين غرةٍ مصحوبةً بقهقهة لها صوت مسموع، وأحيانًا أخرى تبدو في منتهى الجدية والتقطيب. كان يبدو عليها أنها تعيش في عالمها الخاص، لم تكن تشغلها نظرات الناس، ولا حتى ردود أفعالهم نحوها، إنها ببساطة منشغلة بنفسها، دون أن تكترث لأحد من الموجودين.

كانت ضحكاتها تتعالى، وانفعالاتها تزداد، فتارة ترفع إحدى يديها عالية، أو تمط شفتيها وتعقد حاجبيها، وتكسر نظراتها، لم تكترث للنظرات المتربصة بها، إلا أنها كانت تمدّ بصرها نحو مدرجات المطار، وترفع كتابها متمتعة بلغتها التي خمنتها من إحدى دول شرق أوروبا، بشرتها البيضاء وشُقرة شعرها يشيران إلى ذلك.

كان الكتاب الذي تمسك به على شكل كراسة زاهية الألوان، وكأنه كتابٌ مخصص للبنات الصغيرات، الأمر الذي جعله لا يتناسب مع سن تلك السيدة المثيرة للانتباه. بالتأكيد، لست أنا الوحيد الذي لفتت نظره تلك التصرفات والانفعالات غير المستساغة، بل على الأرجح جميع من كان قريبًا منها في الصالة أصبح مندهشًا من هول المنظر المثير. والأدهى أنها لم تكن تكترث لمن حولها ولا إلى النظرات المصوبة نحوها وحسب، بل كانت حركات يديها وتعابير وجهها تزيد الموقف غرابة.

قال أحد الجالسين بجانبي، بلكنة عربية مكسرة: «هذا حرام، حرمة مجنون تسافر لوحدها!» أيده آخر يجلس بالقرب منه في الحال. حتى أنا قد تجاوبت مع الطرح، فقد كانت المرأة تضع رجلًا على رجل وتقرأ في كتابها بانفعال واضح دون أدنى اكتراث لأعين المحدقين بها.

كان غالبية هؤلاء الموجودين في القاعة من الجنسيات الآسيوية المختلفة، بلباسهم الشعبي، وعمائمهم الكشميرية المميزة، النساء أيضًا كان لهن دورٌ في التجمهر حولها، ولكنّ الابتسامات، وضحكاتهن الخفيفة هي ما كان يميز ردود فعلهن.

ما لفت نظري ظهور شيخ كبير في السن، جاء نحو المتجمهرين، مغتاظًا، رافعًا صوته الهزيل في وجوه المحتشدين، معاتبًا إياهم بخطبة لم تنقطع حتى تفرق جمعهم، مطأطئين رؤوسهم. عرفت من إشارات كلامه، وطريقة حديثه بأنه يعيب عليهم هذا الفعل الذي يقومون به إزاء امرأة ليست من جنسهم، ولا تنتمي إليهم.

عندما هممت بالمغادرة من مكاني، وقفت مستعدًا للتوجه إلى مكان آخر. عندها بانت لي الصورة كاملة، فقد كانت خلف الكتاب تقبع شاشة آيباد، ومنها كانت تطل فتاة كأنها في عمر الخامسة عشرة. افترضت في قرارة نفسي أن السيدة كانت طيلة الوقت تحدث ابنتها أو إحدى قريباتها.

قبل أن أغادر المكان، ألقيت نظرة أخرى على الجالسين أمام السيدة، حيث لا تزال وجوههم مصوَّبة نحوها، وعلامات الدهشة أصبحت تكبر، وعواطف الشفقة نحوها تزداد. كانوا يقولون في أنفسهم: «مسكينة تلك المرأة التي فقدت رشدها وضاع عقلها وأصبحت من فئة المهلوسات».

كانت علامة الدهشة تكبر لدى الجمهور المسكين الذي كان يراقبها من بعيد دون إزعاج هذه المرة، خصوصًا عندما تناولت مرآة صغيرة ومشطًا، وأخذت تسرح شعرها، وابتسامة عريضة لا تزال معلقة فوق غمازة وجنتيها، وفرح يطل من عينيها الصغيرتين.

وعندما لمحتهم وهم على تلك الحال، زادت ابتسامتها، التفتت إلى حاجياتها، ووجدت شاشة الآيباد مضاءة، مزينة بصورة كبيرة لفتاة جميلة بعمر الربيع.

حينما أغلقت السيدة كتابها وعادت إلى هدوئها ورزانتها، وأطلت على الوجوه المندهشة بنظرة واثقة، بينما أخذت فنجان الشاي البارد وصارت ترتشفه بتلذذ، دون أن تبدي أدنى اكتراث لما يدور من حولها. سوى نظرة شفقة حانية ألقتها على تلك الوجوه اليابسة، المتدثرة بقطع من القماش الملون، وعندما لمحت وجه الشيخ العجوز المنفرجة أساريره، حيّته بطريقة لبقة وكأنها كانت ترغب بأن تستفسر منه عن سبب هذه الجمهرة من حولها، فهل بدر منها إساءة غير مقصودة؟

وعندما أيقنت أن لا جواب لتساؤلاتها الداخلية، نهضت من مكانها وشقت طريقها بين صفوفهم ببدلتها الرياضية، التي كتب على ظهرها «تركمانستان». كانت مرتدية نظارة شمسية فاخرة، بقوام ممشوق، وروح طليقة. مرت على الجموع بهمة ونشاط، وبثقة عالية مشوبة بالفخر من إنجاز كبير قد تحقق، هكذا كان يبدو واضحًا عليها!

واصلت سيرها، غير مبالية بنظرات البسطاء من حولها، حاملة حقيبة جلدية مطرزة بماء الذهب على كتفها الأيسر، وبيدها اليمنى حملت الآيباد الذي لا يزال غالبية الناس إلى ذلك الوقت يجهلونه، فقد كانت النخبة المرفهة وحدها من كانت تقتنيه، وتتعامل معه بمهارة تليق بمكانتهم.

سحبت نفسي ببطء نحو بوابة المغادرة بشفقة على نفسي وعلى البسطاء من الكادحين الذين أعادوا ترتيب جلساتهم بانتظار الإعلان عن موعد إقلاع طائراتهم. أما السيدة الأنيقة فقد انضمت إلى مجموعة من بنات جلدتها، وهن بنفس لباسها، حتى أنها ضاعت وسطهم.