آخر تحديث: 7 / 4 / 2026م - 11:45 م

لقطة إنسانية تصنع أدباً.. «شاي المعاتيق» يحرّك قريحة الشعراء

جهات الإخبارية نوال الجارودي - القطيف

أشعلت صورة عفوية للفوتوغرافي الشاعر حبيب المعاتيق وهو يقدم الشاي لأصدقائه في زيارتهم مؤخرا إلى الأحساء، قريحة نخبة من الشعراء، لتتحول لحظة إنسانية بسيطة إلى ظاهرة أدبية تُرجمت لقصائد تتغنى بجمال المشهد.

وجاءت هذه المساجلة الثقافية إثر توثيق عدسة الكاميرا لمشهد يومي، تجلى في مبادرة المعاتيق بإراحة عامل أحد المقاهي، وتقديم الشاي بنفسه لرفقاء الرحلة والأدب.

وروى الشاعر ياسر آل غريب تفاصيل هذا الموقف، مبيناً أن الصورة التقطت قبيل انطلاق فعالية أدبية، لتغدو فور انتشارها شرارة إبداع تبارى فيها الشعراء بانسيايبة تامة.

وأوضح آل غريب أن النصوص الشعرية تجاوزت إطار اللقطة الفوتوغرافية لتستنطق التفاصيل الصغيرة، وتجعل من ”الشاي وحامله“ منبعاً فلسفياً وجمالياً للاحتفاء باللحظة.

وافتتح آل غريب التفاعل بنص استلهم الأبعاد الأسطورية، واصفاً المشهد بلحظة كونية فارقة، ومشبهاً الموقف بأسطورة ”جلجامش“ الباحث عن عشب الخلود خارج نسق الزمن.

أقبلْتَ بالشاي أم أقبلْتَ بالشَّفَقِ
فاسكبْ إلينا مزاج الصفْوِ والألقِ

كأنَّ ”جلجامشَ“ اسْتجلى برحلتِهِ
عشبَ الخلودِ؛ ليبقى خارجَ النسقِ

سرُّ الأباريقِ مازلنا نطاردُهُ
في كلِّ ناحيةٍ تبدو، ومفترقِ

لابدَّ من لحظةٍ في الكونِ فارقةٍ
تنسابُ حين التقاء الشايِ بالحَبَقِ

من جانبه، التقط الشاعر علي الشيخ خيط الإبداع، مخاطباً المعاتيق بصفته ”بروميثيوس القصيدة“، ليجعل من الشاي أغنية ترتب الوقت وتسرق الخلق في لحظة تجلٍ مبهرة.

أقبلتَ بالشاي، أم أقبلت بالألق
فالكأس بين يديك الآن في غرقِ

تمحو الغياب بما تسطيعُ من غزلٍ
وتسرقُ الخلقَ ممسوسا بكلِّ شقي

يريدكَ القلبُ نبضًا في حقيبته
مسافرًا خلفَ إيقاعينِ من فلقِ

بريدُ عينيك، حدّاءٌ يصيخُ له
صدى الصبابةِ حتى آخر الرّمقِ

وأضاف الشاعر مصطفى الخباز بعداً شفافاً للنصوص، معتبراً رشفة الشاي موجاً يرتل الطهر، ومؤكداً أن هذا العبق يمثل ”عطر خلوة المساكين“ ليعطي الليل بهجته.

خذني لعينيكَ.. هذا الشاي أغنيةٌ
تسابقَ الضوءُ فيها لحظة الغسقِ

كأنَّ رشفته.. موجٌ يسافرُ بي
يُرتِّلُ الطُهرَ حلمًا ذاب في عبقِ

خمرُ المساكين؟ لا.. بل عطرُ خلوتهم
إذا استفاقَ نبيذُ الوجدِ في الألقِ

يُرتبُ الوقت! يُعطي الليلَ بهجتهُ
ويَنثرُ الشوقَ إيقاعًا على الورقِ

ورسم الشاعر يوسف الشعلة لوحة حسية متكاملة، مشبهاً كؤوس الشاي بنجمات تضيء الأفق، ولافتاً إلى أن حمرتها تتفوق في سحرها على تورد الخدود في قصائد الغزل.

وحينما جئت بالكاسات مشرقة
كأنما جئت بالنجمات للأفق

تصب نبع الهوى للقلب عل به
أن ينتشي الجرح من جمرات محترق

وكلما حدقت عيناك حمرته
كأنما احمرّ منها أسود الحدق

قل للتي كان لون الكحل يظهرها
وتخجل القمر الوضاء في الغسق

بأن حمرة هذا الشاي لو وضعت
على العيون وكان الخد كالشفق

تعوذ العاشقون الدهر مافتئوا
يرتلون عليها سورة الفلق

عراقة الكأس

وذهب الشعلة في نص آخر ليؤكد على عراقة الكأس في قوله:

بعض الكؤوس معاتيق بفطرتها
ويُستلذ بكأس غير منعتق

وللسؤال شهاب ظل مؤتلقاً
أحلَّ في الشاي مافي العود من عبق

وربما تلتقي في الشاي أغنية
فيها حبيب يصب الحرف كالغدق

ولست أعرف إلا أن توأمه
ويجمع الحب عشاقا له ويقي

وفي منحى تأملي عميق، بيّن الشاعر حسين السهوان أن استكانة الشاي خلقت رابطاً شعورياً يؤلف بين الجفن والحدق، لتتحول اللحظة إلى قوافي تسير بالشعراء نحو فسحة الغرق.

خَمْرُ استِكَانَتِكَ العَذْرَاءِ عَن ثِقَةٍ
مَا خَابَ شَارِبُهُ، مِن شِدَّةِ الألَقِ

مَا أَقْصَحَ الشَّايُ يَروِي عَن عَلَاقَتِهِ
حَتّى يُؤَلفَ بَينَ الجَفْنِ وَالحَدَقِ

فَإِنْ صَبَبتَ الهَوَى مَنْ ذَا يُشَفْشِفُهُ
إِذا تَحَوَّلَ مِنْ رَسْمِ إِلَى عَبَقِ

نمشي مَعْا حينما نمشي بقَافِيةٍ
وَنَسْتَقِرُّ انْتِهَاءً فسحة الغرقِ

وَمَا نَزَالُ مَعَ الأيّامِ، فِتْنَتنَا
لَمَّا اسْتَوَى الحُسْنُ، صُبَّ الشَعْرُ فِي الوَرَقِ

وتطرق الشاعر هاني الدار إلى البعد الإعجازي، واصفاً المشهد بـ ”المعجزة“ التي تضيء الغسق، ومفضلاً إياه رمزياً على القهوة بوصفه الدواء الشافي لـ ”سهر العشاق“.

لا يَصْنعُ الشَّايَ إلَّا صُنْعَ معْجزةٍ
كالْأنْبياء أضاؤوا حَالِكَ الْغَسَقِ

كأنَّما الشَّايُ جمْراتٌ مفرَّقَةٌ
فقالتِ الْجنُّ شايٌ؟! أمْ دِمَاءُ تَقِي؟!

لَكِنَّما الشَّايُ ياقُوْتٌ يُوَزِّعُهُ
وَفِيْهِ يَدْفِنُ أحْرازَاً مِنَ الْحَبَقِ

هذا حبيبٌ وإنّ الشَّايَ آيته
والشِّعْرُ يجْلبُهُ وحْيَاً على الْورقِ

وذهب هاني الدار في نصٍ آخر إلى مقارنةٍ رمزية، منح فيها الشاي أولوية الإلهام:

وَذَرْ بَنِي الْبُّنِّ فَالْإِيْحَاءُ ضَيَّعَهُمْ
يَسْعَوْنَ خَلْفَ سَرَابِ الوَهْمِ فِي خَرَقِ

لا قهْوَةُ الْعُرْبِ صَانُوْها ولا عَشِقُوا
شايَ السَّهَارَى الَّذِيْ يَشْفِي مِنَ النَّزَقِ

يَبْنُوْنَ فِيْ كُلِّ رَيْعٍ آيَةً عَبَثَاً
وَتَارِكُ الْفُلْكِ لا يَنْجُوْ مِنَ الْغَرَقِ

وَلَيْسَ فِيْ حَالِهِمْ مَا كَانَ يُسْعِدُنَا
رَبِّ اهْدِهِمْ مِنْ ضَلَالِ الكِبْرِ وَالْحَنَقِ

وربط الشاعر فريد النمر هذا العبق بنقاء الروح وعذوبة الطبع، معتبراً أن الكأس تمثل محاولة للسمو والانسياب من الزلل نحو آفاق أكثر رحابة.

عذوبة الطبع أن تدعو بروح تقي
تسمو، وكأس عقيقِ دونما رهق

وأن تحاول أن تنساب من زلل
المسافة الأم حدو الشاي للطبق

وأن تشفّ مرايا الضوء مرتشفا
حلم السنين التي ترتاح بالأفق

لك الميول جناح رائع ترف
أما الغناء فورد المرشَفِ الأرقِ

ووضع الشاعر مازن جعفر بصمته الخاصة برقصة ”نعناع“ نقية، مؤكداً أن التجربة جسدت تفاعلاً أدبياً حول لقطة عابرة إلى نص جماعي يُنكه بالشغف.

نقيٌ قلبٍ وما بين اليدين نقي
سيفٌ يدين جيوش النوم للأرقِ

خمرٌ ولكن بلا سُكرٍ يخامرها
حمراءُ تفشي السرور المحض في الحدقِ

فارشفْ وإن شئت فاحتس، ليس من لغةٍ
تسطيعُ تثبيت ذا المعنى على الورقِ

يا حبذا غصن نعناع يراقصه
فيلتقي الذوق والإحساس بالعبقِ

منظور عاشق

وفي امتدادٍ لهذا الألق، يطلّ نص الشاعر هادي رسول بوصفه انزياحًا مختلفًا، لا يحتفي بالمشروب بقدر ما يتمرّد عليه، ويعيد تعريف اللذة واليقظة والسُكر من منظورٍ عاشقٍ يتغذّى على التيه:

ما لي وللشفق المسفوح في الغَسَقِ
لا الشاي أعشقه أو قهوة القلَقِ

كلاهما يوقظان العقل حسبك أن
تنال صحوهما في يقظة الأرَقِ

وما أنا راغبٌ في الصحوِ حيث أنا
في السُّكرِ أمشي لدربِ التيهِ والنَّزَقِ

وإنّما خمرةُ العشاق أحسبها
رضاب فاتنةٍ في رشْفِ مُحترِقِ

واختتم عبد الله المعاتيق المساجلات بتساؤل مفتوح حول ماهية الكأس، باحثاً عما إذا كانت إكسير حب يعافي من القلق، أم شعراً غفا ليصبح غصناً من الحبق.

كَأْسٌ مِنَ الشَّايِ أَمْ وَحْيٌ مِنَ الأُفُقِ
فِي كَفِّ بَوْصَلَةٍ تَهْدِي إِلَى الطُّرُقِ

مَا خِلْتُ هَذَا بِكَأْسٍ فِيهِ شَيْءٌ سِوَى
إِكْسِيرِ حُبٍّ يُعَافِي مِنْ أَسَى القَلَقِ

يَا أَيُّهَا الكَأْسُ فِي كَفِّ الحَبِيبِ أَجِبْ
هَلْ أَنْتَ بَوْحٌ يَصُبُّ الوَجْدَ فِي الحُرَقِ

أَمْ أَنْتَ شِعْرٌ غَفَا فِي حُضْنِ غَانِيَةٍ
حَتَّى شَذَاكَ غَدَا غُصْنًا مِنَ الحَبَقِ