العقل الناضج
الوعي على مستوى الأوراق هو مجرد شهادة تفتقر للتصديق والتأكيد والثقة بها في ساعة الامتحان، فساحة الواقع مرآة كاشفة تقدّم للفرد قراءة متكاملة للعلامات المعرفية الناضجة عنده من حيث عدمها، فكم من إنسان على مستوى الحفظ يستقر في ذهنه الكثير من المفاهيم ويستطيع التعبير عنها وتوضيحها بما ينبئ عن فهمه النظري لها، ولا يغيب عنه المقطوعات النصية في مختلف العلوم فيستدعيها بشكل جيد، ولكنه عند أول اختبار عملي لمحفوظاته العلمية يسقط ويجانب الصواب والهدي العقلي، فعند مفترق الطرق لا يسلك المسار الذي يشير له العقل الناضج، وهكذا يخسر أولى جولاته الاختبارية بل وقد يصل إلى مهاوي شديدة تصل إلى انحيازه إلى الباطل ومناصرته دون وجه حق، وهو يظن نفسه - اشتباها - بأنه على الطريق الصحيح لاستدعائه التفكير المتأنّي في الفكرة أو الموقف، وهنا تبرز أهمية السؤال عن طبيعة العقل وطريقة التفكير المثمر والإيجابي الموصل إلى الحقيقة أو القرارات الأقرب للصواب، إذ العقل ليس مجرد وعاء يختزن فيه الفرد ويكتنز المعلومات تلو الأخرى، بل هناك ما يميزها ويفرزها ويؤكد مصداقيتها، وهناك ميدان احتكاك بالمشاهد الحياتية وتعقيداتها وتشعّباتها في حركة مستمرة، وينتج عن هذا المسار الطويل الثمرة المرجوة وهي تغذية العقل بالمعارف والإدراكات المبنية على تجارب حياتية، فالحياة ميدان صراع بين الطاقات البشرية والظروف الصعبة والقدرة على تذليلها والسير نحو الهدف المنشود، في سلسلة ابتلاءات مختلفة على مستوى جميع النعم الإلهية الموهوبة له مادية كانت أو معنوية، وتلك المحطات التي يصاب فيها بالانكسار لا تعني نهاية الطريق ولا الخروج من مُعترك تحقيق الذات ومكانتها، بل هي ورقات معرفية يحتاج إلى التدقيق فيها واستخلاص العِبر وصولا إلى النهوض مجددا وإكمال الطريق بعد تلك الاستنارات.
وفي هذا السياق تكتسب كلمة الإمام الحسين
المتعلّقة بالتجارب وثمارها،
«طول التجارب زيادة في العقل» «بحار الأنوار ج 78 ص 128» جنبة معرفية توعوية تدخل في صميم فلسفة بناء الإنسان الواعي، بما تتضمّنه من الإشارة إلى الواقع العملي لا بوصفه محطات تحمل الذكريات بصنوفها، بل هي إشعارات معرفية تصف كل واحدة منها جزءا من الحقائق اللازمة في طريق البناء الذاتي، فالإمام
لا يقدّم تعريفا نظريا للعقل والذي له الحظ الوافر من الوضوح والتبيان في مطالعة الكتب، ولا يتحدّث عن ذكاء فطري أو قدرة ذهنيّة مجرّدة تُختزل في الأذهان وتسكن فيه دون استدعاء لها، بل يكشف عن قانون تكويني يحكم نضج الإنسان ويتجه به نحو طريق النضج والإثمار العملي، فالعقل لا يُمنَح جاهزا ومتكاملا من المعارف والومضات النيرة المساندة له، بل يُبنى ويتراكم ويتوسّع بقدر ما يمرّ به الإنسان من طويلة تصقل ذهنه ومواهبه وقدراته، وتُعيد تشكيل رؤيته لنفسه بعد أن استمدّ التعرف عليها في ميدان عملي، كما أن عمله ورصيده الأخروي المتراكم في محراب الطاعة والعبادة هو نتاج تجارب عملية استغلّ فيها أوقاته، وعمل من خلالها على التكيّف مع الواقع بما يحمله من أحوال مختلفة وتبدّلات استطاع التعايش معها.












