آخر تحديث: 23 / 3 / 2026م - 10:13 م

ضحكة الطفل.. ميراث من الفرح

عبد الله صالح الخزعل

الطفولة ليست مجرد مرحلة عابرة من العمر، بل هي كتاب الذكريات الأول الذي يُكتب بحبر البراءة والدهشة. في قلب الطفل تتشكل الصور الأولى للحياة، وتُحفر اللحظات الصغيرة لتصبح فيما بعد أعمدة الذاكرة التي يستند إليها حين يكبر. إن صناعة الذكريات الجميلة في نفس الطفل ليست رفاهية، بل هي مسؤولية إنسانية، لأن ما يُزرع في قلبه اليوم سيظل يثمر في روحه غدًا، ويُورثه القدرة على مواجهة الحياة بطمأنينة وابتسامة.

الطفل يتوقف عند التفاصيل التي قد تبدو للكبار عابرة: كلمة حانية تُقال في لحظة فرح، يد دافئة تُمسك بيده في زحام، رحلة قصيرة إلى مكان يملؤه الضحك، أو حتى نظرة حب صافية تُشعره بالأمان. هذه اللحظات تتحول إلى مشاهد خالدة، يعرضها عقله مرارًا وتكرارًا، فيستشعر دفء الماضي ويبتسم، ثم ينقلها إلى أبنائه وأحفاده، لتصبح الذكريات ميراثًا عاطفيًا يتوارثه جيل بعد جيل.

ويأتي العيد كأجمل مناسبة لصناعة هذه الذكريات. العيد ليس مجرد ثوب جديد أو هدية تُقدَّم، بل هو موسم للفرح الجماعي، حيث تتفتح القلوب وتُضاء البيوت بالضحكات. في العيد يتعلم الطفل أن الفرح مشاركة، وأن العطاء قيمة، وأن الكلمة الطيبة قادرة على أن تبقى في القلب أطول من أي هدية مادية. العيد هو اللحظة التي تتسع فيها دائرة الحب، فيشعر الطفل أنه جزء من جماعة، من أسرة، من مجتمع، وأنه محاط بالرحمة والحنان.

إن أجمل ما يمكن أن نقدمه لأطفالنا في هذه الأيام المباركة هو أن نمنحهم لحظات صادقة، نغرس فيها الحب والدفء، ونصنع لهم صورًا ذهنية تبقى معهم مدى الحياة. فالعيد ليس مناسبة عابرة، بل هو فرصة لصياغة ذكريات خالدة، تضيء حاضرهم، وترافقهم في مستقبلهم، وتُورثهم القدرة على مواجهة الحياة بابتسامة وطمأنينة.

فالطفل الذي يضحك اليوم بين يديك، سيحمل تلك الضحكة غدًا في قلبه، وسيعيدها لأبنائه وأحفاده، لتظل الذكريات الجميلة جسرًا ممتدًا بين الأجيال، يربط الماضي بالحاضر، ويمنح المستقبل ألوانًا من الفرح والأمل.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
ياسر عبدالوهاب بوصالح
[ الأحساء - السعودية ]: 23 / 3 / 2026م - 6:12 م
سبحان الله… أحيانًا لا تكون الفكرة في ظاهر الكلمات، بل في ما تلمّح إليه السطور من معانٍ تنتظر من يوقظها، وأنا أقرأ مقالك الجميل يا أستاذ عبدالله، قفز إلى ذهني ذلك الشطر المنسوب لأمير المؤمنين عليه السلام
وتحسب أنك جرمٌ صغير… وفيك انطوى العالم الأكبر
هذا الشطر له —سلام الله عليه — يشبه ماء زمزم؛ فكما أن زمزم «لِما شُرِب له»، كذلك هذه الكلمات تتسع لمعانٍ كثيرة، فهي تذكّر بعظمة الإنسان الداخلية، وأن هذا الكائن الصغير حجمًا يحمل في داخله عقلًا وروحًا وقدرات تضاهي اتساع الكون.
لكن وأنا أقرأ مقالك ذي البعد الوجداني، فهمتُ الشطر بمعنى آخر:
أن الاستثمار في الطفل — في مشاعره، وسلوكه، وتعليمه — هو في الحقيقة استثمار في «العالم الأكبر» الذي سيحمله داخله حين يكبر، فما نزرعه اليوم في قلبه يثمر غدًا في دنياه، بل ويمتد أثره إلى آخرته، لأن بناء الإنسان هو أعظم أبواب الخير وأبقاها.