الرغبة تحت الرقابة: الأنوثة وصناعة معنى الجنس
غالبًا ما نعرف التعريفات العلمية للذكورة والأنوثة، وهي تعريفات صارمة وعادلة كفايةً بالنسبة لنا جميعًا: الرجل بأعضاء ذكرية وصوت خشن وشكل معين، والمرأة امرأة حين تكون برحم ومبيضين. لكن هذا التعريف البيولوجي لا يشرح وحده معنى أن تكون أيًا منهما، وفي هذا المقال سنتناول معنى أن تكون أنثى.
ولهذا تقول سيمون دي بوفوار:
”لا تولد المرأة امرأة، بل تصبح كذلك.“
أي أنها معلقة دائمًا بأدوار جندرية معينة. وعلى المستوى الدرامي نرى ذلك كثيرًا، وكذلك على مستوى الروايات، مثل رواية عزيزي جون، حيث تختزل الشخصيات الرئيسية فيها الأنثى في أدوار كلاسيكية، كونها موضع الرغبة ومرغوبة في زيجات تقليدية.
تنبع مشكلة هذا الطرح ليس في وجوده، فوجوده مهم، واعتبار أن قصص كهذه غير حقيقية مجافٍ للواقع، لكن مشكلته في التنميط ورفض فهم كيف تفكر الأنثى. وبهذا يعترف بولان دولابار قائلاً:
”يجب التشكيك بكل ما كتبه الرجال حول النساء، لأنهم خصم وحكم في الوقت نفسه.“
في سياق ذلك، يعترف الأب للتحليل النفسي سيغموند فرويد أن وعي الأنثى بالرغبة يأتي متأخرًا عن الرجل، ويعرفه بـ «اللبيدو»، لأن الكبت يجعلها ليست على دراية بما تفضله أو تحبه.
واللبيدو بحسب فرويد هو: الدافع الجنسي، وليس الجنس نفسه. فوفق فرويد في كتابه النظرية الجنسية، تعريف الدافع مهم لأننا كائنات عليا تحكمنا دوافع جنسية، لكنها لا تقودنا بالضرورة للفعل الجنسي نفسه.
المرأة تتكيف حسب رغبات المجتمع في إظهارها وفق الضوابط الأخلاقية أو القيود الاجتماعية والأعراف المتمثلة في وقتها، والتي تحكمها. يكون بعضها منطقيًا في سياقه، وبعضها يشكل تحكمًا في إظهارها، فيجعلها تتمظهر بأفعال مقبولة اجتماعيًا. بحسب فرويد، قد يتمظهر هذا الكبت على شكل فنون أو كتابة تمارسها الأنثى، أعمال خيرية، أو اهتمام بالعائلة.
قبل قرون من التحليل النفسي، أشار الفيلسوف ميشيل دي مونتاني إلى أن المرأة تمتلك رغبات جامحة تمامًا كما الرجل، وأن تجاهلها أو قمعها يخالف الفطرة البشرية. هذا الرأي المبكر يسبق تأكيد فرويد على اللبيدو، ويؤكد أن الصراع بين الرغبة والرقابة ليس مجرد ظاهرة حديثة، بل جزء من تجربة الإنسان المستمرة.
والآن، وبعد أن تناولنا في البداية الجانب التقليدي للرغبة الأنثوية، علينا أن نفكر خارج الصندوق بخصوص المرأة. ورغم أننا نتشارك مع سيمون دي بوفوار في مأزقها بالتشكيك بقلم الخصم والحكم كما تسميه، إلا أننا لابد أن نعرج إلى تحفة الأدب الروسي، رواية آنا كارينينا للكاتب ليو تولستوي.

من المشهور في قصة آنا كارينينا أنها زوجة خائنة، حظت بعلاقة خارج الزواج، ولم تحفظ نذور العلاقة المتينة وعهودها المقدسة. لكننا هنا لسنا بصدد التبرير، بل التحليل لنفسية آنا كارينينا. آنا امرأة عالقة في زواج أرستقراطي له مكانته، باعتباره يمثل الزيجة المثالية والمقبولة اجتماعيًا، قائمًا على المصالح المشتركة والألقاب. لكن في خضم ذلك تعيش ”زوجة“ تعيسة، إذ أن زوجها كارينين رجل منضبط، بارد، ولا يولي للشغف شيئًا، في حين أن الضابط فرونسكي، الذي تعيش معه قصة حب، يولي كل اهتمامها عاطفة ورغبة. وفي الوقت الذي نفتتح فيه الرواية في بدايتها على مشهد القطار، تنتهي أيضًا بانتحار آنا برمي نفسها نتيجة همسات المجتمع حولها.
الملفت أن آنا امرأة متدفقة العاطفة؛ يمكن أن يكرهها البعض ويمكن أن يحبها البعض الآخر. وعندما صورت الرواية على شكل فيلم، صرحت الممثلة البريطانية كايرا نايتلي بأن آنا شخصية معقدة: هي البطلة والبطلة المضادة، حسب تعبيرها؛ المذنبة، لكنها المحبة… الشغوفة، لكنها الأنانية.
ينجح تولستوي في أن يصنع الصراعات التي تخوضها الشخصية، لكنه ينجح أيضًا في إبراز رغبات المرأة في عهد نسمع فيه رغبات الرجل فقط. الرغبة نفسها ليست ذنبًا، بل تجاوز النظام الاجتماعي وتجاوز المبادئ التي يؤمن بها الفرد في بيئته؛ هي ما شكلت خطيئة آنا القاتلة.
ومن الملفت أنه يتم تصوير عشيقها فرونسكي وهو قادر على الخروج للمجتمع، رغم أنه شريكها في فعل الخيانة، بل سعى حثيثًا خلفها رغم كل شيء، في حين كانت محبوسة بعارها وذنوبها. بل أن في بداية الرواية تصلح آنا المشكلة التي تنشب بين أخيها الخائن وزوجته باعتبارها نزوة يمر بها كل رجل.
إشكالية الصراع هنا في مفارقة المجتمع:
- المجتمع ينتج أنوثة ”مثالية“ بلا رغبة ظاهرة
- لكنه في نفس الوقت يبني نظامًا قائمًا على الرغبة
- ويصنع التناقض: يُطلب من المرأة أن تكون مرغوبة دون أن تكون راغبة. وإن حصل أن تكون راغبة، فهي ستُحاصر في زواج مرتب سلفًا، حتى وإن طالبت بالخروج منه.
وبغض النظر عن كون آنا نموذجًا غير ملائكي بتاتًا، ما نريد ربطه هو أنه تم معاقبتها، بينما هي نفسها أرادت تمرير خيانة أخيها باعتبارها أمرًا يمر به كل رجل. بدت آنا كارينينا هنا هي الجلاد وهي الضحية في الوقت نفسه.
ورغم ذلك، وفي جوهر الأمر، حكمتها رغبة واحدة تحكمنا جميعًا كبشر: أن تكون محبوبة عند فرونسكي. بعد أن اكتشفت أن الحب وحده والشغف لا يبني عشًا زوجيًا سعيدًا، وهكذا قالت:
”إني أريد أن أكون محبوبة، ولم أعد كذلك، وإذن فقد انتهى كل شيء.“
عقدة القصة تكمن في الحياة التي يعيشها الأبطال بين الواجب والرغبة، بين الممكن والممنوع. هنا تتصاعد وتتداخل الفروق الجندرية حول مفهوم ”الذنب“ و”الخطيئة“. لربما لو كانت آنا رجلاً، لما عانت بالطريقة التي عانت فيها البطلة. هذه المعاناة مختلفة ومتشابكة؛ يبدو في ظاهرها أنها مشكلة أخلاقية بيّنة، بنبذ آنا وجعلها شيطانية أو قديسة ضحية، لكن آنا ليست هذه ولا هذه، هي مزيج يحكي بؤسنا الإنساني، إنحيازنا، ومشكلة عواطفنا. ولو لم تكن عاطفية إلى حد مرعب، لما كتب لهذه الرواية أن تولد بهذا الشكل.
ولذا يقول الفيلسوف ميشيل دي مونتاني:
”أقول إن الذكور والإناث ملقون في القوقعة ذاتها، والفرق بينهما ليس كبيرًا فيما عدا المؤسسة والعادات.“
كأنه يشير بسخرية إلى أن الفارق الكبير يظهر بسبب المؤسسة والعادات التي تصنع فجوة بين الجنسين، رغم كونهما واقعين في القوقعة نفسها.












