آخر تحديث: 15 / 3 / 2026م - 9:39 م

التأهيل قبل الزواج

ياسين آل خليل

إذا كنا قد اتفقنا على أن جذور كثير من الإخفاقات الزوجية تعود إلى ضعف التأهيل المبكر، فإن المرحلة التي تسبق الزواج مباشرة تمثل الفرصة الأخيرة لتدارك ما يمكن تداركه. وهنا يبرز سؤال لا يحتمل التأجيل.. لماذا ما زلنا نتعامل مع التأهيل قبل الزواج كخيار ثانوي، أو إجراء شكلي، لا كضرورة مجتمعية يجب تفعيلها..؟

نحن نُلزم المقبلين على القيادة بدورات واختبارات، ونشترط دورات وشهادات لمزاولة أبسط المهن، لكننا نسمح بدخول مؤسسة الزواج، وهي أخطر وأعمق أثرًا، دون أي إعداد منهجي حقيقي. يكتفي البعض بمحاضرة عابرة، أو نصائح عامة، بينما الواقع يُثبت أن الحياة المشتركة أعقد من أن تُدار بالنيات الحسنة وحدها.

التأهيل قبل الزواج لا يعني التشكيك في نضج الشباب، ولا التقليل من وعيهم، بل يعني الاعتراف بأن الزواج مهارة تُتعلَّم، لا غريزة تُمارَس تلقائيًا. إنه مساحة لتصحيح المفاهيم المغلوطة، وتخفيض سقف التوقعات غير الواقعية، وتعليم مهارات عملية مثل إدارة الخلاف، فهم الفروق النفسية، تنظيم المسؤوليات المالية، وحدود تدخل الأهل. كما أنه فرصة آمنة لطرح الأسئلة التي يخجل كثيرون من مناقشتها بعد الزواج. فرصة لكشف مناطق الاختلاف قبل أن تتحول إلى صراع، وللتأكد من وجود حد أدنى من التفاهم في الرؤية المستقبلية.

إن غياب التأهيل المنظم يترك الشباب فريسة للصور المثالية التي تصنعها الميديا، أو للتجارب الشخصية المحدودة، أو لنصائح الأصدقاء غير المتخصصين. بينما وجود برامج جادة، يشرف عليها مختصون في الإرشاد الأسري وعلم النفس والاجتماع، يمكن أن يُحدث فارقًا حقيقيًا في وعي الطرفين. ولا ينبغي أن يقتصر الدور على الجهات الرسمية فحسب، فالمؤسسات التعليمية، والمراكز المجتمعية، وخطباء المنابر، وحتى المنصات الإعلامية، جميعهم معنيون بإعادة تشكيل مفهوم الزواج، من كونه ليلة احتفال، إلى كونه مشروع مسؤولية.

التأهيل قبل الزواج ليس ضمانًا ضد الطلاق، لكنه يقلل من احتمالاته. ليس عصا سحرية، لكنه خطوة عقلانية في زمن تتسارع فيه القرارات وتقلّ فيه الخبرة. وإذا كنا جادين في مواجهة الظاهرة، فعلينا أن ننتقل من ردّة الفعل إلى الفعل الاستباقي. فإصلاح ما بعد الانهيار مكلف نفسيًا واجتماعيًا، أما البناء الواعي قبل البداية، فأقل كلفة وأعمق أثرًا.

إن استمرارنا في تجاهل هذه الظاهرة أو التعامل معها كأمرٍ اعتيادي سيقودنا إلى نتائج لا يمكن تداركها بسهولة.. تفكك أسري، اضطراب نفسي لدى الأبناء، وتآكل في منظومة القيم التي يقوم عليها استقرار المجتمع. غير أن الصورة ليست قاتمة ما دمنا نملك القدرة على المواجهة. فإذا تكاتفت الأسرة، وتحركت المؤسسات، وأُقرّ التأهيل قبل الزواج كخطوة أساسية لا شكلية، فإننا قادرون، بإذن الله، على تقليص الفجوة، وإعادة التوازن، وبناء جيلٍ يدخل الزواج بوعيٍ ومسؤولية.