آخر تحديث: 12 / 3 / 2026م - 11:08 م

تمكين المرأة.. حين تختلط المكانة بالأثر

دكتورة لمياء عبدالمحسن البراهيم * صحيفة اليوم

مرّ اليوم العالمي للمرأة هذا العام حاملاً رسائل الاحتفاء بإنجازات النساء ودورهن في المجتمع. وهي مناسبة مهمة للتذكير بالمسار الذي قطعته المرأة في التعليم والعمل والمشاركة في مختلف المجالات. ومن الإنصاف القول إن فتح أبواب الفرص أمام المرأة كان خطوة مفصلية، وأن كثيراً من النساء أثبتن كفاءة عالية وأسهمن بجهود ملموسة في مواقع متعددة.

لكن مع نضج التجربة واتساع حضور المرأة في سوق العمل، يصبح من الطبيعي أن يتطور النقاش. فالقضية لم تعد مرتبطة بالسؤال القديم: هل تستطيع المرأة الوصول؟ الواقع أثبت أن الوصول ممكن، والكفاءة موجودة. السؤال اليوم هو: ماذا يعني التأثير بعد الوصول؟

لا يقلل هذا السؤال من إنجازات أحد، ولا ينتقص من الجهود التي تبذلها النساء في وظائفهن. فالمجتمعات تقوم على أشخاص يؤدون أعمالهم بإخلاص، لكن أداء الدور الوظيفي، مهما كان مهماً، يظل جزءاً من طبيعة العمل نفسه.

أما الإنجاز الذي يترك بصمة، فهو الذي يتجاوز حدود الوصف الوظيفي: فكرة طُورت، أو منظومة تحسنت، أو مبادرة بقي أثرها بعد انتهاء المهمة. عند هذه النقطة يبدأ الحديث عن التأثير، لا عن شغل الموقع.

التمييز بين المكانة والأثر مسألة مهمة. فالمكانة قد ترتبط بالمنصب، لكنها لا تعني بالضرورة تغييراً ملموساً في الواقع. أما الأثر فيُقاس بما يضيفه الإنسان إلى المجال الذي يعمل فيه، وبما يبقى بعد مغادرته للموقع.

في السنوات الأخيرة، ومع اتساع وسائل الإعلام والتواصل، أصبحت صورة النجاح أحياناً مرتبطة بالظهور أكثر من ارتباطها بالنتائج. يتحول النقاش أحياناً إلى الاحتفاء بالمناصب نفسها، بدلاً من التركيز على الإنجازات.

ويتكرر المشهد في قوائم التكريم، وفعاليات الاحتفاء، وصور تذكارية. لا مشكلة في التكريم تقديراً لإنجاز واضح، لكن الإشكالية تظهر عندما يتحول التكريم إلى ممارسة شبه دائمة، أو تُمنح الألقاب دون معيار واضح للأثر. وهنا يصبح التكريم أقرب إلى العلاقات العامة منه إلى التقدير المهني.

تظهر أحياناً ظاهرة لافتة: من لم يحصل على تكريم رسمي، قد يقيم فعالية يكرّم فيها نفسه. تتحول المناسبة إلى منصة للظهور، وتتحول الألقاب إلى عناوين اجتماعية، فتضيع الفكرة الأساسية للتمكين. فتمكين المرأة لم يكن هدفه إضافة ألقاب جديدة، بل إتاحة الفرصة للكفاءة كي تعمل وتضيف وتترك أثراً في المجتمع.

ولهذا، تحتاج المرحلة الحالية إلى نقلة في طريقة الحديث عن التمكين. لقد تجاوزنا إثبات القدرة على الوصول، وأصبح الأهم التركيز على ما يحدث بعد ذلك. التأثير لا يُقاس بعدد الدعوات أو الصور في الفعاليات، بل بما يتغير في الواقع نتيجة العمل: ما الذي تحسن في المؤسسة؟ ما الفكرة التي تحولت إلى ممارسة مستمرة؟ ما المبادرة التي بقيت بعد انتهاء المنصب؟

هذه الأسئلة تعطي معنى للقيادة، سواء كانت نسائية أو رجالية. فالقيادة مسؤولية وليست لقباً اجتماعياً. التاريخ المهني لأي مجتمع يتذكر الأعمال التي تركت أثراً، لا عدد الفعاليات التي حضرها الأشخاص.

لهذا، الحديث عن تمكين المرأة لا ينبغي أن يُختزل في الاحتفاء بالمناصب أو صور التكريم. المرحلة الأهم الآن هي صناعة الأثر، حين تتحول الفرصة إلى مبادرة، والمنصب إلى خدمة عامة، والعمل الوظيفي إلى إضافة تتجاوز حدود المهمة اليومية. عندها يصبح الاحتفاء مفهوماً ومبرراً، بينما عندما يتحول التكريم إلى غاية بحد ذاته، تفقد الفكرة جزءاً من معناها.

المكانة قد تأتي مع المنصب، لكن الأثر هو الذي يمنح العمل قيمته في ذاكرة المجتمع.

استشارية طب أسرة
مستشار الجودة وسلامة المرضى
مستشار التخطيط والتميز المؤسسي
كاتبة رأي