آخر تحديث: 12 / 3 / 2026م - 11:08 م

حين تحتاج الأخلاق إلى ساهر

سراج علي أبو السعود *

أظنّ أن في حياة كل إنسان مسرحين: مسرحًا يراه الناس، وآخر لا يراه أحد. الأوّل نصنع فيه صورتنا الظاهريّة، والثاني نصنع فيه حقيقتنا. ويمكن في هذا السياق القول إنّ للأخلاق الظاهرة لذّةً تغمر صاحبها بالسعادة؛ فالإنسان يكتسب من ثناء الآخرين ما يعزّز شعوره بأنّه يسير في الطريق الصحيح. لكن السؤال الأعمق يظهر حين تكون الأفعال الطيّبة بمعزلٍ تامّ عن أعين الناس. هناك، في تلك المساحة الخالية من الشهود، ينكشف العمق الأخلاقي الحقيقي للإنسان. ومن هنا تبرز أهميّة أن يُحاكم الإنسان نوايا أفعاله الخيّرة، وأن يسأل نفسه بصدق: هل أصلّي في هذا المسجد لأنّني أبتغي القرب من الله، أم لأنّ غيابي قد يلفت نظر من اعتاد رؤيتي؟ هل أدعم هذه الجمعيّة لأنّ الخير يستحقّ الدعم، أم لأنّ المسؤولين فيها اعتادوا حضوري؟ ولو سافرتُ إلى بلد لا يعرفني فيه أحد، فهل ستبقى أفعالي الطيّبة كما هي، أم أنّ بعضها سيذبل حين يغيب الشهود؟ إنّها أسئلة تحتاج إلى إجابات صريحة من كل إنسان، ليعرف بنفسه: هل أخلاقه غاية يقصدها، أم صورة يسعى للحفاظ عليها في أعين الناس.

يكشف جهاز ساهر المسرِع حين يمر بجانبه. لذلك اعتاد بعض السائقين تكتيكًا بسيطًا: يخفّف السرعة لحظة المرور به، ثم يعيدها بعد ذلك مباشرة. وأظن أن فلسفة الأخلاق تشبه إلى حدّ بعيد هذا السلوك. فهناك من يحترم النظام لأن أخلاقه تدفعه إلى ذلك، سواء وُجد الرقيب أم غاب. وهناك من يمتثل فقط لأن عينًا باصرة تلاحقه. في اللهجة المصرية يعبّر مثلٌ شعبي عن هذه الحقيقة بدقة: «تخاف ما تختشيش». أي أن الامتناع عن الخطأ ليس حياءً من القيم، بل خوفًا من العقوبة. تكمن خطورة هذا النمط من الناس في أنهم صالحون ما دامت الكاميرا تعمل. فإذا غابت الكاميرا عاد كل شيء إلى ما كان عليه. ولهذا فإن الحكم على أخلاق الناس من ظواهر أفعالهم قد يكون مضلّلًا. فالبقعة السوداء في الجبين ليست دائمًا دليل طهرٍ عميق؛ فقد تكون، في بعض الأحيان، خوفًا من جهاز ساهر!!

قال تعالى: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ . وفي جزءٍ من معناها أن كل إنسان يعرف حقيقة نفسه، ويعلم الدافع الحقيقي وراء أفعاله. فإن كان هدفه ثناء الناس، فلن يكون هناك ما يخشاه أكثر من كاميرا ساهر التي تفضح ما يفعل وتعاقبه في الحال. أما إن كان هدفه الأخلاق وصولا بها لرضا الله سبحانه وتعالى، فلن يكون مكترثًا بوجود رقيب، ولا محتاجًا إلى تبرير ما يصنع. لأنه ببساطة لا يبحث عن عينٍ باصرة تمتدح فعله أو تذم ما تراه خطأً دون دليل إلا الهوى. إنه غير مكترث إلا بقناعته الأخلاقية التي لا تتغير حين يغيب الرقيب. فالأخلاق الحقيقية لا تحتاج إلى ساهر، بل تحتاج إلى ضمير لا يجعل صورته الحقيقية تختلف بين وجوده في مدينته أو وجوده في أقاصي الأرض.