آخر تحديث: 10 / 3 / 2026م - 8:06 م

حين يفقد المجلس هيبته

محمد يوسف آل مال الله *

لم يكن ترتيب الجلوس مجرد مسألة شكلية في المجالس العربية والإسلامية، بل كان انعكاسًا لمنظومة من القيم الاجتماعية التي تعلي من شأن الاحترام والتوقير. فالمجلس في ثقافتنا لم يكن مكانًا عابرًا للجلوس فقط، بل مدرسة غير مكتوبة يتعلم فيها الصغير من الكبير، ويكتسب فيها الإنسان أدب الحوار وأخلاق التعامل.

غير أنّ المتأمل في بعض المجالس اليوم يلحظ ظاهرة تستحق التوقف عندها؛ إذ يجلس بعض الشباب في الأماكن التي اعتاد الناس أن يخصصوها لكبار السن، بل وقد يصطحب أحدهم أبناءه ليجلسهم بجانبه، وعند دخول رجل كبير إلى المجلس لا يتحرك أحد ليفسح له المكان. وربما لا يكون هذا التصرف ناتجًا عن سوء نية بقدر ما هو نتيجة ضعف في الوعي بالقيم التي كانت تحكم مثل هذه المواقف.

من المنظور الديني، لا يُعد احترام الكبير مجرد عادة اجتماعية، بل هو قيمة أخلاقية أصيلة. فقد ورد عن النبي ﷺ قوله: ”ليس منّا مَنْ لم يرحم صغيرنا ويوقّر كبيرنا“، وهذا الحديث يختصر فلسفة اجتماعية عميقة تقوم على التوازن بين الرحمة بالصغير والتوقير للكبير، ليبقى المجتمع متماسكًا بين أجياله.

أمّا من الناحية الاجتماعية، فإنّ احترام الكبير هو في الحقيقة احترام للتجربة الإنسانية المتراكمة. فالكبير لا يُقدَّم في المجلس لمجرد عمره، بل لأنّه يحمل في ذاكرته تجارب السنين وحكمة الحياة. وحين يُفسح له المكان، فإنّنا في الواقع نُفسح المجال لتلك الخبرة أن تبقى حاضرة في المجتمع.

إنّ معالجة هذه الظاهرة لا تكون بالتوبيخ أو اللوم، بل بإحياء الوعي من جديد. فالأسرة لها الدور الأول حين يربي الأب أبناءه على الوقوف للكبير وإفساح المكان له. كما أنّ المجالس نفسها تستطيع أن تعيد ترسيخ هذه القيم عبر القدوة الحسنة والتذكير اللطيف دون إحراج.

إنّ المجتمع الذي يحفظ للكبير مكانته هو مجتمع يحفظ تاريخه وخبرته وذاكرته. أمّا حين تختفي هذه المعاني، فإنّ المجالس تفقد شيئًا من هيبتها وروحها.

فاحترام الكبير ليس مجرد أدب في الجلوس، بل هو علامة على نضج المجتمع ووعيه، لأنّ الأمم التي تكرّم خبرتها الإنسانية هي الأمم الأقدر على بناء مستقبلها.