آخر تحديث: 10 / 3 / 2026م - 12:35 ص

عندما تصبح الوجوه مزيفة

أنيس آل دهيم *

لم يعد ما نراه على الشاشة دليلاً قاطعاً على الحقيقة.

ففي عصر الذكاء الاصطناعي، أصبحت الصور والفيديوهات قادرة على خداع العين البشرية بدرجة غير مسبوقة، لدرجة أن بعض الوجوه التي نراها على الإنترنت قد لا تكون لأشخاص حقيقيين على الإطلاق.

خلال السنوات الأخيرة، تطورت تقنيات الذكاء الاصطناعي بشكل مذهل، وخصوصاً تلك التي تُستخدم لتوليد الصور والفيديوهات. ومن بين أبرز هذه التقنيات ما يُعرف باسم ”Deepfake“، وهو نوع من المحتوى الرقمي يُنشأ باستخدام خوارزميات قادرة على تقليد ملامح الأشخاص وأصواتهم بدقة عالية، بحيث يظهرون وهم يقولون أو يفعلون أشياء لم تحدث في الواقع.

تعتمد هذه التقنية على نظام يُسمى الشبكات التوليدية التنافسية ”GANs“، وهو نموذج يتكوّن من جزأين يعملان معاً. الأول يُنتج صورة مزيفة اعتماداً على بيانات حقيقية، بينما يحاول الثاني اكتشاف ما إذا كانت الصورة حقيقية أم مصطنعة. ومع تكرار هذه العملية، تتحسن جودة الصور تدريجيًا إلى أن تصبح قريبة جداً من الواقع، بل أحياناً يصعب على الإنسان التمييز بينها وبين الصور الحقيقية.

وقد أظهرت دراسة علمية حديثة أن حتى الأشخاص الذين يتمتعون بقدرات استثنائية في التعرف على الوجوه، والمعروفين بخبرتهم في علم الفراسة، يواجهون صعوبة في اكتشاف الوجوه المُولدة بالذكاء الاصطناعي. ففي بعض الحالات، لم يكن أداؤهم أفضل بكثير من التخمين العشوائي، بينما كان أداء الأشخاص العاديين أقل دقة.

لكن المفاجأة أن تدريباً بسيطاً لا يتجاوز بضع دقائق، يركّز على الأخطاء الشائعة في الصور المولدة بالذكاء الاصطناعي، يمكن أن يحسن قدرة الأفراد على اكتشاف الصور المزيفة بشكل ملحوظ. وتشمل هذه الأخطاء أحياناً تفاصيل غير طبيعية في ملامح الوجه، مثل تماثل مفرط بين الجانبين، أو خطوط شعر غير واقعية، أو تفاصيل دقيقة في الأسنان والجلد تبدو مصطنعة.

ورغم أن هذه المؤشرات قد تساعد على كشف بعض الصور المزيفة، فإن المشكلة الأساسية تكمن في السرعة الكبيرة التي تنتشر بها هذه المحتويات على الإنترنت. فمقاطع الفيديو أو الصور المثيرة للجدل غالباً ما تنتشر بسرعة كبيرة عبر منصات التواصل الاجتماعي، وقد تصل إلى ملايين المستخدمين قبل أن يتم التحقق من صحتها.

لهذا السبب بدأت المخاوف تتزايد من استخدام التزييف العميق في التضليل الإعلامي، أو تشويه سمعة الأشخاص، أو حتى التأثير على الرأي العام. فمجرد ظهور فيديو يبدو حقيقياً قد يكون كافياً لإثارة الجدل أو نشر الشائعات، حتى لو تم اكتشاف زيفه لاحقاً.

الأثر الأخطر لا يتمثل فقط في وجود محتوى مزيف، بل في تآكل الثقة بالمعلومات نفسها. فعندما يصبح من الممكن تزييف الصور والأصوات بسهولة، قد يبدأ الناس في الشك بكل ما يشاهدونه أو يسمعونه، وهو ما قد يؤدي إلى حالة من الارتباك المعرفي حيث تصبح الحقيقة أقل وضوحاً من أي وقت مضى.

في النهاية، يبدو أن مواجهة هذه الظاهرة لن تعتمد على التكنولوجيا وحدها، بل على الوعي أيضاً. فكلما أصبح المستخدمون أكثر إدراكاً لطبيعة هذه التقنيات وطرق عملها، زادت قدرتهم على التحقق من المحتوى قبل تصديقه أو مشاركته.

وفي عالم يمكن فيه للآلات أن تُحاكي وجوه البشر وأصواتهم بهذه الدقة، قد تصبح مهارة التمييز بين الحقيقة والوهم واحدة من أهم مهارات العصر الرقمي.