الدِّين التَّجزيئي 2
حين نتأمل بعض الظواهر الفكريَّة والسلوكيَّة في حياتنا، نكتشف أنَّ المشكلة لا تكون دائمًا في غياب القيم؛ بل أحيانًا في طريقة فهمها. فليس كل خلل سببه إنكار القيم، أحيانًا يكون بسبب التَّعامل معها جزئيًا فقط، وهنا تكمن الإشكاليَّة الأخطر؛ لأنَّ الخلل حين يأتي من الفهم، يتسلل إلى السلوك بهدوء، دون أن يلفت الانتباه.
وفي الحديث عن ظاهرة ”الدين التجزيئي“، لا يكفي أن نقف عند صور التناقض الظاهرة، بل ينبغي أن نتقدم خطوة أبعد لنبحث في الجذور الفكريَّة التي تسمح لهذا التَّناقض أن يتكوَّن في داخل الإنسان.
الدِّين في بنيته الشَّاملة ليس منظومةً من الأجزاء المتفرقة التي يمكن التعامل معها على نحوٍ انتقائي؛ وإنَّما هو بناءٌ متكامل تتداخل فيه العقيدة والعبادة والأخلاق والمعاملات في نسيجٍ واحد لا ينفصل بعضه عن بعض. فالعقيدة تُشكِّل الرؤية الكلية للإنسان تجاه الوجود والحياة، والعبادة تُغذّي صلته بمصدر تلك الرؤية، والأخلاق تُترجم الإيمان إلى سلوكٍ محسوس، والمعاملات تكشف صدق الالتزام في ميدان الواقع العملي.
وعندما يُفصل جانبٌ عن آخر، يختلّ التوازن؛ فالتديّن الذي يقتصر على الشعائر دون أن ينعكس في الخُلُق، هو التزامٌ ناقص البنية، يشبه جسدًا بلا روح أو روحًا بلا أثر. إنَّ الصلاة مثلًا مدرسة يومية لتربية الجوارح، وضبط الكلام، وكبح الغضب، وتحقيق العدل، والرجوع مجددًا إلى الله سبحانه وتعالى، وليست حركة جسديَّة فحسب. فإذا لم يُثمر هذا التحول، فالمشكلة ليست في أصل العبادة؛ بل في طريقة تلقيها وفهمها.
إنَّ تجزئة الدِّين تبدأ من الفهم قبل أن تظهر في السلوك؛ وحين يُتعامل معه كمجموعة تكاليف متفرقة، لا كمنهج حياة متكامل يعيد تشكيل الضمير ويوحِّد المعايير.
غير أنَّ المشكلة لا تكمن فقط في الفهم النظري للدين؛ ولكن في كيفية تكوّن الإنسان لصورة عن التزامه. فالإحساس بالالتزام غالبًا ما ينبع من مؤشرات واضحة يسهل ملاحظتها، مثل انتظامه في العبادات كالصلاة، وحفظ الكثير من الآيات والأحاديث، أو الانتماء إلى بيئة متديّنة. ومع تكرار هذه المؤشرات، تتكوّن صورة ذهنية مستقرة تقول لصاحبها: ”أنا ملتزم“. لكن هذا الشعور قد يكون جزئيًا فقط، إذ لا يشمل مراجعة شاملة لكل جوانب السلوك اليومي، خاصَّة في المعاملات مع الآخرين في المجتمع، حيث تظهر الصدق، العدل، والأمانة بشكل عملي.
وهنا تبدأ المفارقة؛ إذ تتحوّل الهوية إلى قناعة نفسيَّة، والقناعة إلى شعور بالاطمئنان، والاطمئنان إلى توقفٍ عن المراجعة. فيغيب السؤال الضروري: هل يعكس سلوكي الخاص نفس المستوى من الانضباط الذي أحرص على إظهاره في العلن؟
يتكوّن لدى الإنسان تصوّرٌ ذاتي عن نفسه من خلال مجموعة إشارات يتلقَّاها من بيئته؛ كالمدح، والقبول الاجتماعي، والانتماء إلى محيطٍ متديّن، أو المواظبة على مجموعة من الشعائر الظاهرة. ومع تكرار هذه المؤشرات، تتكوّن صورة ذهنية مستقرة تقول له: ”أنا ملتزم“.
غير أن هذا التصوّر قد لا يكون دائمًا مطابقًا للواقع الداخلي؛ وقد يُبنى على مؤشرات جزئية، مثل انتظام العبادة أو المحافظة على مظهرٍ ديني، بينما تبقى الجوانب الأخلاقية والسلوكية خارج دائرة الفحص والمراجعة.
وتكمن الإشكالية حين تتحوّل هذه الصورة الذاتية إلى قناعةٍ راسخة تُغلق باب النقد الذاتي؛ فيظن صاحبها أنه بلغ درجةً من الاستقامة لا تحتاج إلى مساءلة، فيتوقّف عن مراجعة تفاصيل سلوكه اليومي، خاصة في دوائره الخاصة حيث تغيب الرقابة الاجتماعية.
وهنا يظهر الخلل الحقيقي؛ فالمشكلة ليست في التقصير فحسب؛ بل في الاطمئنان إلى صورةٍ غير مكتملة عن الذات. وحين يختلط الشعور بالالتزام بالاكتفاء النفسي، يغيب السؤال الضروري:
هل يعكس سلوكي الخاص حقيقة ما أعلنه من قيم؟
إنَّ ما كشفناه حول تجزئة الدين يمتد إلى أعماق النفس والضمير، ولا يقتصر على المعرفة أو الممارسة الظاهرة. فالفرد الذي يختزل الدين إلى شعائر أو مظاهر خارجية فقط، يخلق فجوة بين ما يعلنه وبين ما يعيشه في دوائره الخاصة، فتتكوَّن ازدواجيَّة قد تُضعف الصلة الحقيقية بالقيم.
ولذلك، فإن الطريق الأمثل لتجاوز الدين التجزيئي هو وحدة الضمير؛ أي أن يصبح الالتزام شاملًا، يغطي كل جوانب الحياة: ما يراه الآخرون وما لا يراه أحد، ما بين العلن والسرّ، ما بين الخارج والداخل. عندما يتحقق هذا الانسجام، يزول الخلل، ويصبح الدين منهج حياة متكاملًا، لا شعائر وأعمالًا متفرقة؛ بل قاعدة توجه العقل والسلوك والوجدان معًا.
وبهذا، يكون الفرد قد وصل إلى مرحلة من الالتزام الحقيقي، حيث تعكس كل أفعاله الصغيرة والكبيرة ما يعتنقه من قيم، فتكتمل الصورة الداخلية كما يكتمل الأثر الخارجي، ويصبح الدين حقًا نورًا يهدي الفرد في كل لحظة من حياته.

















