الأساليب البلاغية في النص الروائي النسوي
قراءة بلاغية - أسلوبية - تأويلية مقارنة بين غادة السمان في ”سقوط الخريف“ وأحلام مستغانمي في ”الأسود يليق بك“
يُعَدُّ الأدب الروائي النسوي مساحةً تأمليةً تنبع من التجربة الحياتية الفريدة للكاتبات، حيث تمتزج اللغة بالجسد والوجدان، وتعمل البلاغة كأداة تشكيلية لبناء النص ومعنى الذات. في هذا السياق، تقدم غادة السمان في ”سقوط الخريف“ وأحلام مستغانمي في ”الأسود يليق بك“ رؤى بلاغية متباينة حول الهوية الأنثوية، العاطفة، الذاكرة، والعلاقة بالآخر، مما يجعل المقارنة بين نصيهما مدخلاً خصبًا لتحليل آليات التعبير البلاغي والأسلوبي ودلالاته التأويلية.
”أ“ غادة السمان - سقوط الخريف
رغم قلة المصادر المباشرة المتاحة، فإن النص الروائي لدى غادة السمان يتسم بطابع شعري تأملي نفسي، متشظٍ بين الذات والحياة، حيث تتغلغل اللغة لتشكل فضاءً لرصد التجربة الوجدانية والنفسية للمرأة، مع سهولة انتقالها بين التشبيه والاستعارة والصور الحسية، مما يجعل نصها أقرب إلى مشهد داخلي يتفاعل مع الذاكرة والوجدان.
شواهد بلاغية من تجارب سمان اللسانية
”أنا كاهنة الخريف... أطوي أحزاني وابخل بصدقي... وكلما بحثت عن نفسي اصطدمت بشتاء الصمت...“
هذا الاقتباس يظهر إيقاعًا بلاغيًا مركّزًا على التضاد بين الخريف والشتاء، وبين الوجود والصمت البارد، في صيغة استعارات موسمية تربط المشاعر بالزمن الطبيعي، ما يجعل اللغة نفسها شاعرة وحالة وجدانية في آن واحد. - Goodreads
كما يقول نص آخر لسمان:
”معلقون نحن على حافات الأشياء؛ بلا سقوط ولا تحليق؛ في منزلة بين المنزلتين: خارج الموت والحياة؛ داخل الاحتضار البطيء.“
فيه تتجسد التضادة البلاغية بين حالتين متناقضتين، ما يعكس رؤية سمان وجودية ومأساوية لتركيب الوجدان النسوي وهو يتأرجح بين تجاوز الألم وعدم تجاوزه. -Goodreads
”ب“ أحلام مستغانمي - الأسود يليق بك
رواية ”الأسود يليق“ بك لبنت الجزائر تخدم السرد الشعري الممتد في بنية الروح والهوية، حيث يستحضر اللون الأسود بوصفه رمزًا للحزن، الكبرياء، والحداد الداخلي، وليس مجرد لباس. تتجاوز الكاتبة السرد التقليدي لتخلق جملاً باهتة في بساطتها وشاعرية في دلالتها، تعكس تقاطعات الحب، الفقد، والصراع الذاتي.
شواهد بلاغية مباشرة من النص
من أشهر الاقتباسات في الرواية:
”الحداد ليس في ما نرتديه بل في ما نراه… بإمكان عيون قلبنا أن تكون في حداد… ولا أحد يدري بذلك.“
هذا المثال يكشف إعادة تأويل اللون الأسود عبر صورة بلاغية قوية جعلت من العين والقلب مرآتين للحداد، لا مجرد الثوب/اللون، فتتحول الاستعارة إلى تعبير عن الوجدان الموضعي وليس مجرد وصف بصري. - المكتبة
”الحبّ هو اثنان يضحكان للأشياء نفسها، يحزنان في اللحظة نفسها، يشتعلان وينطفئان معًا…“
هنا نجد تكرارًا وتوازيًا بنيويًا يعززان الإيقاع الشعري في النص، ويتحول المعنى لحالة تكامل وتضاد متداخلين. - Goodreads
2.1 الاستعارة والتشبيه
سمان تستخدم الاستعارة لتشخيص العواطف، كربط الخريف بالوجدان المتداعي، والصمت بشتاء القسوة. هذا الاستخدام يجعل اللغة شاعرية - فلسفية في بنيتها.
مستغانمي تستثمر اللون الأسود كاستعارة مركّزة للحياة نفسها، لا قوة عابرة، ما يخلق رمزية دلالية ترتبط بالهوية الإنسانية والأنثوية، فتنتقل الصورة من وصف خارجي إلى جوهر داخلي.
2.2 التكرار والتوازي البنيوي
في نص السمان، التكرار يُخدم التضاد الوجودي بين قطبي الوجود/العدم، ويظهر في السطور الطويلة التي تكسر الإيقاع وتخلق احتقانًا دراميًا في اللغة.
في مستغانمي، التكرار يحول الجملة إلى مولود شعري جديد؛ فالتوازي يعزز إحساس الانسجام والتنافر في نفس الوقت، خصوصًا في عبارات الحب والمشاعر.
2.3 التضاد
في سمان، التضاد وجودي وكامن بين أزمنة الإنسان ومراحل الروح، ما يجعل اللغة تتأرجح في مستويات متعددة من الوجدان.
في مستغانمي، التضاد بين الكبرياء والتسليم، بين القوة والضعف، يتجسد في بنية السرد وجملها، فتبتعد عن الحكي التقليدي إلى بلاغة تكسر الحدود الزمنية والمكانية.
”أ“ غادة السمان
الأسلوب البلاغي عند سمان يتوجه نحو التحليل النفسي الداخلي للذات الأنثوية، فكل استعارة أو تضاد تقود القارئ إلى عمق التجربة الإنسانية، حيث الألم ليس ظرفًا بل وجودًا قائمًا بحد ذاته. اللغة لدى سمان ليست وسيلة للشرح بل مساحة للتجربة الوجدانية الكاملة.
”ب“ أحلام مستغانمي
في مستغانمي، البلاغة ليست مجرد زخرفة لغوية، بل آلية لتفكيك الذات والمجتمع معًا. فاللون الأسود يتحول إلى رمز مركزي له علاقة بالهوية، الصراع، والتميّز الإنساني. هنا، اللغة أداة لـ إعادة بناء الدلالة بدلًا من مجرد التعبير عنها.
إذا كان أسلوب غادة السمان يركز على الذات وتملك اللغة كإيقاع شعري - وجودي، فإن أسلوب أحلام مستغانمي يوسّع اللغة لتشمل الآخر والمشهد البشري الكامل، مما يجعل الرواية مساحة تركيب بين الصوفية الاجتماعية والوجود النفسي. كلاهما يستخدم البلاغة والصور التعبيرية بطريقة تحدِّد موقع المرأة وتجربتها في العالم، لكن بمدارك مختلفة: لدى سمان كمساحة ذاتية عميقة، ولدى مستغانمي كفضاء مشترك متداخل بين الذات والآخر.

















